أثارت التصريحات الأخيرة لرئيسة وزراء اليابان بشأن أمن تايوان، حفيظة بكين، التي اعتبرتها تدخلاً صارخاً في شؤونها الداخلية وتصعيداً غير مبرّر في الخطاب السياسي الإقليمي. ورأت الصين أن ما صدر عن طوكيو يشكّل مساساً مباشراً بما تصفه بـ"الشأن الصيني الداخلي".
وكانت رئيسة الوزراء، التي لم يمضِ شهر على تسلّمها المنصب، قد شددت في مناسبة رسمية على أن استقرار تايوان جزء أساسي من الأمن القومي لليابان، وأن أي تغيير في الوضع القائم بالقوة سيؤدي إلى "تهديد مباشر للسلام في المنطقة وفي اليابان نفسها".
جاء الرد الصيني هذه المرة صارماً وعلى أعلى المستويات. ووصفت وزارة الخارجية الصينية فيها التصريحات بأنها "تجاوز خطير"، مطالبة اليابان بـ"التوقف عن اللعب بالنار في قضية تايوان". وأكدت من جديد أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، وأن الملف يخص "السيادة والوحدة الوطنية".
ليس كل تصريح حول تايوان يستدعي رداً صينياً بهذا الحجم، إلا أن الحساسية كانت مرتفعة لاعتبارات سياسية وأمنية وتاريخية متداخلة. وتكمن أهمية هذه التصريحات بالنسبة لبكين في عدة عوامل جوهرية واستثنائية:
1. صدورها عن أعلى منصب حكومي في اليابان - رئيسة الوزراء نفسها، وليس عن مسؤول ثانوي أو خبير، ما يمنحها صفة الموقف السياسي الرسمي لا التعليق العابر.
2. عدم إمكانية اعتبار التصريح زلة لسان، بل مؤشراً على تحول استراتيجي خطير في الموقف الياباني تجاه تايوان.
3. الاصطفاف العلني مع واشنطن في أخطر الملفات القومية الصينية، ولا سيما أنه جاء بالتزامن مع استنكار صيني حاد لخطط أميركية لبيع أسلحة متطورة لتايوان تتجاوز قيمتها 330 مليون دولار.
إ
ضافة إلى ذلك، فإن ربط التصريح بين أمن تايوان والأمن القومي الياباني شكّل، في نظر الصين، تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يعني:
• شرعنة تدخل ياباني مباشر في ملف تعتبره بكين "شأناً داخلياً خالصاً".
• فتح الباب أمام تبرير تدخل عسكري أو لوجستي في حال نشوب أزمة حول تايوان.
• اعتراف ضمني بأن اليابان ستكون طرفاً في النزاع وليس مجرد مراقب محايد.
من جانبها، حاولت طوكيو التخفيف من وطأة التصريحات عبر التأكيد أنها ليست جديدة ولا تمثل أي تغيير في السياسة اليابانية، بل تعبير واضح عن خطورة تداعيات أي نزاع في مضيق تايوان على أمن الطاقة الياباني وسلاسل الإمداد. وأشارت الحكومة اليابانية إلى أن مواقف مشابهة سبق أن صدرت عن رئيس الوزراء الأسبق شينزو آبي، الذي يُعتبر المرشد السياسي والروحي لرئيسة الوزراء الحالية ساناي كايتاشي، المعروفة بانتمائها للتيار المحافظ داخل الحزب الحاكم. وترى طوكيو أن موقفها الجديد لا يتعارض مع التزامها بسياسة "الصين الواحدة"، بل يندرج ضمن تقييم واقعي لمخاطر الصراع في المنطقة.
غير أن الأمر يختلف جذرياً في القراءة الصينية لهذه التصريحات، إذ تنظر بكين إلى ما صدر عن رئيسة الوزراء اليابانية باعتباره إشارة سياسية – وربما عسكرية – لا يمكن تجاهلها. فالتصريحات تأتي في لحظة تشهد فيها اليابان تحولاً استراتيجياً غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تتخلّى طوكيو تدريجياً عن قيود "الدستور السلمي" وتعيد بناء قدرتها الردعية بوتيرة متسارعة.
لقد رفعت اليابان ميزانيتها الدفاعية إلى أعلى مستوياتها التاريخية، وأطلقت خططاً بعيدة المدى لإعادة هيكلة قواتها المسلحة، كما عززت تحالفاتها العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ مع الولايات المتحدة والفيلبين وأستراليا والهند، في إطار مقاربة أمنية جديدة تقوم على الاحتواء وردع الصين. والأكثر حساسية بالنسبة لبكين هو أن طوكيو تعمل حالياً على تطوير ترسانة صاروخية بعيدة المدى قادرة – نظرياً – على ضرب أهداف داخل العمق الصيني، وهو تطور تعتبره الصين تعدّياً مباشراً على مجالها الأمني الحيوي. علاوة على ذلك، فإن الصين تتعامل مع أي خطوة يابانية في محيطها بذاكرة الاحتلال الياباني، الحرب العالمية الثانية، والنزاعات المستمرة حول الجزر في بحر الصين الشرقي.
وبذلك، لا ترى بكين في التصريحات اليابانية مجرد موقف سياسي أو تأكيداً لمبدأ "السلام والاستقرار في مضيق تايوان"، بل تقرؤها كجزء من توجه استراتيجي جديد يهدد بتغيير ميزان القوى الإقليمي ويفتح المجال أمام "تدويل أزمة تايوان" بما يعزز الطوق العسكري المفروض عليها من تحالفات تقودها واشنطن. ولهذا جاء الرد الصيني سريعاً وشديد اللهجة، ليعكس قلقاً متراكماً من المسار العسكري الياباني الجديد، ومن احتمال أن تكون هذه التصريحات مقدمة لمواقف أكثر صلابة في المستقبل، وربما لأدوار عسكرية مباشرة في أي نزاع محتمل حول تايوان.
حاولت طوكيو طمأنة بكين بأن موقفها تجاه قضية تايوان لم يتغيّر، في محاولة لاحتواء التوتر وتجنب أي مواجهة مباشرة، مع الأخذ في الاعتبار حجم المصالح الاقتصادية الضخمة بين الجانبين رغم الخلافات السياسية القائمة. غير أن الحكومة اليابانية الجديدة تدرك ضمنياً أن الولايات المتحدة تنظر إليها كحليف استراتيجي محوري في المنطقة، وأن اليابان لا تزال شريكاً أمنياً موثوقاً في ملف تايوان وفي الجهود الهادفة إلى تطويق النفوذ الصيني المتنامي في الإقليم والعالم. وهذا ما يفسّر الدعم الأميركي الفوري لتصريحات رئيسة الوزراء اليابانية، ويعكس مستوى التقارب العميق بين واشنطن وطوكيو في بناء شبكات تحالف لاحتواء الصين وتعزيز التدريبات العسكرية المشتركة في المحيطين الهندي والهادئ. فالولايات المتحدة تؤيد هذا التوجه لأنه يخفف العبء العسكري عليها، ويخلق محوراً "أميركي–ياباني–فيلبيني" في مواجهة القوة الصينية الصاعدة.
يمكن القول إن هذه الأزمة ليست حدثاً عابراً، بل هي نتاج تراكم طويل لأسباب تاريخية وجيوسياسية متشابكة ومتسارعة. ومن ثمّ، فإن تخفيف حدّة التوتر يتطلّب من رئيسة الوزراء اليابانية تقديم تطمينات واضحة للزعيم الصيني خلال لقائهما المرتقب على هامش قمة مجموعة العشرين المزمع عقدها في الثاني والثالث والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ، في جوهانسبورغ - جنوب أفريقيا، إذا ما أرادت طوكيو الحيلولة دون انزلاق الوضع إلى مسارات أكثر خطورة.
لقد بات ملف تايوان يتجاوز كونه قضيةً صينية–تايوانية داخلية، ليغدو محوراً مركزياً في إعادة تشكيل بنية القوى الإقليمية في آسيا، مع ما يحمله ذلك من احتمالات تصعيد واسعة إذا لم تُدار التطورات بحكمة ودبلوماسية عالية.
تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية الأخيرة لم تكن مجرد موقف سياسي، بل شكّلت منعطفاً استراتيجياً يحمل أبعاداً أمنية وعسكرية واضحة. فمن منظور بكين، يُعدّ هذا التصريح مؤشراً على تحوّل جوهري في طبيعة الدور الياباني في الإقليم، وقد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر حساسية وتوتراً. أمّا من زاوية واشنطن، فقد مثّلت هذه التصريحات فرصة لتعزيز التحالف الاستراتيجي مع طوكيو في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد.
وعلى هذا الأساس، تبدو منطقة المحيطين الهندي والهادئ أمام مفترق طرق جديد، قد تختبر خلاله المنطقة ديناميات قوة مختلفة وتوازنات جديدة، ما لم تُضبط الأزمة عبر دبلوماسية رصينة، وآليات ردع واضحة، وقنوات اتصال تضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
