حطت في العاصمة السورية دمشق، صباح يوم الأحد، ثلاثة وفود دبلوماسية واستخباراتية رسمية تركية وروسية، إلى جانب وفد من ممثلي الكونغرس الأميركي، لبحث العديد من الملفات والقضايا السياسية والأمنية والعسكرية التي تأتي في سياق الحراك الداعم لاستقرار سوريا ودمجها في المجتمع الدولي.
ترامب في دمشق قريباً
وبينما يرجع كثيرون أسباب هذا الزخم في الحراك الدبلوماسي الذي تشهده دمشق، لزيارة الرئيس الشرع واشنطن ولقائه ترامب، تحدثت مصادر خاصة لـ"المدن" عن وجود تطورات في الملف السوري، دفعت العديد من الدول لزيارة سوريا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي يستعد الكونغرس فيها للتصويت على قرار إلغاء قانون العقوبات "قيصر"، إلى جانب استعجال الطرف الروسي تثبيت الاتفاقيات والتفاهمات التي وقعت مع الرئيس أحمد الشرع خلال زيارة الأخيرة إلى موسكو.
وبحسب معلومات "المدن" فإن لكل وفد أجنداته الخاصة والمختلفة عن الوفود الأخرى، حيث ركز وفد الكونغرس الأميركي الذي ضم أعضاءً من الجالية السورية في الولايات المتحدة، على مسار العدالة الانتقالية وعمل لجان التحقيق في أحداث السويداء والساحل السوري، باعتباره العقدة الأبرز التي تواجه الإدارة الأميركية لتمرير مشروع إلغاء قانون "قيصر"، إضافة إلى صياغة حزمة من الاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية المهمة لمستقبل سوريا، جرى مناقشتها في قصر الشعب وسط دمشق.
لكن الطرح الأبرز والمفاجئ، بحسب مصادر متعددة لـ"المدن"، كان التطرق لإمكانية التحضير والترتيب لزيارة قصيرة للرئيس الأميركي إلى دمشق، ومناقشة الاستعدادات لهذه الزيارة ضمن جولته المرتقبة للعديد من دول المنطقة.
الانفتاح على العالم
كما تضمنت النقاشات ملفات عدة، بحسب المصادر، أهمها الحديث عن تفاهمات أمنية جديدة مع دول الإقليم، ومنها إسرائيل، والبحث عن صيغة ترتيبات عسكرية مباشرة وتطوير التعاون في هذا المجال بين دمشق وواشنطن وحلفائها، إلى جانب الاتفاقيات الاقتصادية التي تتضمن إعفاءات جمركية وضريبية على البضائع السورية، والعمل على تهيئة الظروف وترسيخ الاستقرار لإعادة دمج سوريا بالمجتمع الدولي، وفتح ممرات لدمجها بالمنظومة الاقتصادية العالمية.
وأشارت المصادر إلى أن بعض هذه التفاهمات "قد يعلن عنها بالتزامن مع زيارة الرئيس ترامب المرتقبة إلى دمشق، وتقديمها كجائزة وإعلاناً رسمياً بفتح صفحة جديدة من تاريخ سوريا".
واعتبرت المصادر، أن زيارة وفد الكونغرس اللافتة "قد تكون الأهم في عمر سوريا الجديدة، إذ تحدد آلية انفتاح واشنطن على دمشق وإلغاء قانون قيصر بشكل نهائي، إلى جانب الملف الذي لا يقل أهمية بالنسبة إلى دمشق، متمثلاً بتسريع عملية اندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة، وآليات التعاون على المستوى العسكري والاستخباراتي".
كما أشارت إلى أن الوفد الأميركي طلب اتخاذ خطوات فاعلة وحقيقية فيما يخص محاسبة مجرمي الانتهاكات والمتورطين في أحداث الساحل والسويداء، ودعم عمل المنظمات المدنية والمجتمع الأهلي ومشاركته في رسم السياسات الداخلية، وتعزيز حضور الأقليات، إلى جانب قضايا هدفها قراءة مدى مرونة السلطة الحالية وتقبلها للمتطلبات الغربية.
وشددت المصادر على أن الولايات المتحدة "عازمة على إنهاء جميع التحديات والقضايا التي تواجه الحكومة السورية بعد سقوط نظام الأسد البائد، قبل نهاية العام الجاري، تمهيداً لبدء العمل على نهضة سوريا الجديدة على مختلف المستويات العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية، وجعل دمشق قادرة على أن تكون شريكاً هاماً للولايات المتحدة مستقبلاً، باعتبارها مفتاح ضمان استقرار المنطقة.
وفد روسي للإطمئنان
وبالتزامن مع وصول الوفد الأميركي، استقبل وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة وفداً روسياً برئاسة نائب وزير الدفاع يونس بك يفكيروف، في مقر وزارة الدفاع وسط دمشق، بعد ظهر يوم الأحد.
فالوفد الروسي اللافت حضوره بعدد كبير، بحسب المصادر، لديه شكوك ومخاوف من تداعيات انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، حيث عبر الوفد عن قلقه من قدرة دمشق على تطبيق ما تم التوافق عليه في موسكو.
ومع ذلك، تؤكد المصادر، على أن مسار النقاشات وجلسات الاستقبال الأولية، حملت طابعاً ودياً، يدل على وجود تفاؤل كبير في تحقيق تقدم على مستوى الملفات المطروحة في الشأن السوري عموماً.
وكان الملف الأبرز ضمن جلسة النقاش، بحسب المصادر، "بالتوسع في الحديث عن تفاهمات انتشار قوات عسكرية روسية تحت غطاء دولي في الجنوب السوري، خاصة أجزاء محددة من ريف القنيطرة التي قد تكون أولى مراحل اختبار هذه الخطوة، قبل شمولها كامل خط وقف إطلاق النار، حيث أراد الوفد الروسي أن يقدم رسائل من خلال زخم حضوره، بقدرته على تولي مهام الانتشار في الجنوب كقوات فصل تقبلها تل أبيب" .
وتضيف المصادر أن "المناقشات والحوار شمل أيضاً مستقبل القواعد العسكرية الروسية على الساحل وتلك الموجودة في مطار القامشلي شرقاً، حيث يفترض أن يكون هناك تقدم على هذا المستوى"، إلى جانب الحديث عن إمكانية عودة افتتاح السفارة الروسية في دمشق، وملفات أخرى.
التوازنات الجديدة
الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، يرى أن تسارع الخطوات في الآونة الأخيرة بعد جمود استمر لشهور قليلة في الحالة السورية، بعد أزمة السويداء، يأتي نتيجة لقرب نهاية العام الأول على سقوط النظام، ومحاولة الأسرة الدولية مساعدة سوريا الجديدة على النهوض، بعد قطيعة طويلة.
لكن هذه المساعدة، تثير مخاوف كبيرة لدى السوريين، بحسب خليفة الذي يضيف "نخشى أن تصبح سوريا ورقة مساومة إقليمية ودولية، وهذا ما يحصل حتى اللحظة، لذا نرى توافد الوفود الأمنية إلى دمشق للسماع من سلطاتها كيفية موازنة انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ووجود قواعد روسية مطلة على ضفاف المتوسط، وطلب إسرائيل منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وهي ملفات متداخلة تضع السلطة الحالية وسط حقل من الألغام والمكائد التي تتطلب وعياً وإدراكاً استثنائياً لتجنبها وموازنتها، في ظل النمط السياسي البراغماتي الذي تتبناه دمشق اليوم".
أما بخصوص التواجد التركي الدائم في دمشق، يوضح خليفة، أنه يأتي من "اعتبارها الضامن الرئيسي للمشهد الجديد، فهي مهتمة بالاطلاع على كل المستجدات الأمنية والسياسية، ونستطيع أن نرى بوادر اتفاق على غرار الاتحاد الأوروبي، بين سوريا وتركيا، وربما شمال العراق (من بين دول أخرى).
كما أشار خليفة إلى محاولات بعض الدول لتخريب عملية الانفتاح على سوريا ودعم استقرارها الداعي، على غرار ما حدث من محاولات إيرانية وإسرائيلية لتقسيم سوريا عبر صراع طائفي.
