شهدت مدينة الرقة عقد اجتماع ثلاثي جمع قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع ممثلين عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، في خطوة تسبق جولة مفاوضات جديدة مع دمشق.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الاجتماع الثلاثي يُمثل "مرحلة تحضير داخلية" لتحديد المواقف الموحّدة قبل الدخول في مفاوضات رسمية، لا سيما أن الطرفين يُجريان اتصالات غير مباشرة منذ توقيع اتفاق 10 آذار/مارس الماضي.
لماذا الاجتماع الآن؟
وأشار المشاركون في الاجتماع بشكل ضمني، إلى عاملين حاسمين دفعا إلى عقده في هذا التوقيت:
أولاً: الضغط الأميركي لإنجاز خطوات ملموسة قبل نهاية العام، فقد كثّفت واشنطن، في الأسابيع الأخيرة، من اتصالاتها مع أطراف محلية ودولية، داعية إلى "دفع مسار التسوية التدريجي في شمال شرق سوريا"، وفق ما أكد مراقبون.
ويُنظر إلى اتفاق آذار على أنه اختبار عملي لمدى جدية الطرفين في بناء ثقة متبادلة، قبل الانتقال إلى مسائل أكثر تعقيداً، كالمؤسسات الأمنية أو الدستور أو حتى ملف المعابر والمنشآت النفطية.
ثانياً: التحوّل في الموقف الأميركي تجاه دمشق. فقد جاء الاجتماع بعد أيام من لقاء الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس أحمد الشرع في واشنطن، والذي أسفر عن تعليق جزئي للعقوبات، وفتح قنوات تنسيق دبلوماسي مباشر.
واعتبر المشاركون أن هذا التحوّل يخلق نافذة سياسية لا يمكن تفويتها، ما يستدعي توحيد الموقف الداخلي داخل مناطق شمال وشرق سوريا استعداداً لمفاوضات قد تُعقد في دمشق قريباً.
وقال ياسر السليمان، المتحدث باسم وفد الإدارة الذاتية للتفاوض مع الحكومة السورية، لـ"المدن"، إن "الاجتماع بين قوات سوريا الديمقراطية ومسد والإدارة الذاتية هو اجتماع اعتيادي تنسيقي لمناقشة كل الجوانب السياسية والإدارة والمؤسساتية والأمنية في شمال وشرق سوريا، وقد تزامن مع عودة الرئيس السوري من زيارة واشنطن".
وتابع السليمان: "نحن في شمال وشرق سوريا كنا وما نزال على أتم جهوزية لتطبيق مخرجات اتفاق العاشر من آذار، التي نصت على الدمج المؤسساتي عسكرياً وأمنياً وإدارياً ومدنياً ضمن سياق الوحدة الوطنية، ولم نكن في يوم من الأيام عائقاً أمام تطبيقه".
وزاد بالقول: "نحن متفائلون من نتائج زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن التي أكدت على أن مسار الدمج يجب أن يكتمل بإشراف مباشر من الولايات المتحدة، التي أثنى مبعوثها باراك على جهود شمال وشرق سوريا في تقديم ما يلزم لإنجاز اتفاق آذار".
ثلاث أولويات في اجتماع دمشق المرتقب
وعلى الرغم من عدم الكشف عن تفاصيل الاجتماع المرتقب مع دمشق، فإن مصادر مقربة من الوفد المفاوض لـ"قسد"، أشارت إلى أن المباحثات القادمة ستُركّز على ثلاث أولويات: آلية تطبيق البنود الأمنية في اتفاق آذار، لا سيما فيما يخص نقاط التماس والتنسيق الأمني، وتعزيز التعاون الخدمي عبر فتح معابر دائمة وإعادة ربط الشبكات الكهربائية والصحية، وتشكيل لجنة فنية مشتركة لمتابعة تنفيذ الاتفاق على الأرض، وتحديد جدول زمني واضح.
وأكّد المشاركون في الاجتماع الثلاثي أن مشاركتهم في أي حوار مع دمشق ستبقى مشروطة باستمراره ضمن إطار الحل السياسي الشامل، وباحترام خصوصية مناطق شمال وشرق سوريا، وبما لا يمس الإنجازات المدنية والعسكرية التي حققتها قوات سوريا الديمقراطية خلال العقد الماضي.
من جهته، قال الأكاديمي والسياسي خالد جبر، في حديث لـ "المدن": "الاجتماع الثلاثي يأتي في سياق ترتيب البيت الداخلي للإدارة الذاتية وقسد، خصوصاً بعد الأسابيع الماضية التي شهدت تداولاً واسعاً بشأن لقاء مرتقب في دمشق، إذ أن الغاية الأساسية للاجتماع ليست ردّ فعل على دمشق، بل هي تثبيت موقف موحد قبل أي مسار تفاوضي أو سياسي محتمل".
وتابع جبر: "كما أن الاجتماع يوجّه رسالة واضحة بأن الحوار الوطني يبدأ من الداخل بين قسد والإدارة ومسد، وأن أي لقاءات خارجية، بما فيها اجتماع دمشق، لن تكون ذات جدوى ما لم يكن القرار السياسي والعسكري مُنسّقاً ومبنيّاً على رؤية موحدة".
بمعنى آخر: الاجتماع ليس خوفاً من دمشق، بل هو ترسيخ لمركزية القرار في شمال وشرق سوريا، وتأكيد أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تمر عبر مؤسسات المنطقة الشرعية، حسب تعبير جبر.
مواقف معلنة وتوقعات بصمت
وفي سياق متصل، أشاد المجتمعون بعودة سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة "داعش"، مشيرين إلى أن "قسد" لا تزال الجناح العملياتي الأساسي في هذا التحالف، ما يمنحها وزناً في أي مفاوضات أمنية مستقبلية.
كما جرى التأكيد على ضرورة تحسين الأداء الخدمي في مناطق الإدارة الذاتية، باعتباره ورقة ضغط إيجابية في المفاوضات، وأداة لتعزيز شرعية الإدارة لدى السكان.
وقال جبر: "فإنه من المهم التأكيد أن الاجتماع الذي ضمّ مظلوم عبدي وممثلي الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية، هو اجتماع اعتيادي يأتي ضمن سلسلة اللقاءات الدورية الهادفة إلى توحيد التنسيق بين الأذرع السياسية والعسكرية والإدارية في شمال وشرق سوريا"، مؤكدا أن "الاجتماع لم يكن ردّ فعل على أي تطور خارجي، ولا يندرج ضمن سياق اجتماعات دمشق، بل هو اجتماع عمل داخلي يُعقد بشكل دوري، هدفه الأساسي، ضمان التناغم بين المؤسسات، وتعزيز آليات تنفيذ اتفاق آذار، وتوحيد الموقف السياسي قبل الانتقال للخطوات اللاحقة".
واعتبر أن "العائق الأساسي ليس داخل قسد ولا داخل الإدارة الذاتية، بل يتمثل في تهرب الحكومة السورية من تنفيذ التزاماتها التي نص عليها الاتفاق، ومحاولات التعطيل والعرقلة المدفوعة من تركيا والتي تضغط باتجاه إفشال أي مسار تفاوضي بنّاء بين قسد ودمشق".
