نفّذت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الثلاثاء، حملة اقتحامات واسعة في مناطق متعددة من الضفة الغربية المحتلة، تركزت أساساً في رام الله والبيرة وامتدت إلى جنين وبيت لحم ونابلس.
واعتقلت قوات الاحتلال عدداً من الفلسطينيين بعد احتجازهم لساعات وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية، إضافة إلى تفتيش منازلهم والعبث بمحتوياتها.
اعتداءات المستوطنين
بالتزامن مع ذلك، تصاعدت اعتداءات المستوطنين في محيط البلدات الفلسطينية، أبرزها في سنجل شمال رام الله، حيث أطلق مستوطنون مسلحون النار باتجاه أطراف البلدة وحطموا عدداً من المركبات الفلسطينية،.
وتظهر التسجيلات المصورة التي وثقتها كاميرات المراقبة أن هذه الاعتداءات تتم بشكل منظم، وباتساع ملحوظ خلال الشهور الأخيرة. وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أكثر من 760 اعتداء نفذه المستوطنون خلال شهر واحد فقط، تركز معظمها في محافظات رام الله ونابلس والخليل، ما يعكس صعوداً ممنهجاً في مستويات العنف المنفلت على الأرض.
مخاوف إسرائيلية
ووفق شهادات ضباط كبار، يعيش الجيش الإسرائيلي حالة ارتباك حقيقية في الضفة، نتيجة تصاعد نفوذ المستوطنين لدرجة يتردد فيها الضباط والجنود عن الحديث عن الانتهاكات أو المطالبة بفرض القانون، خوفاً من استهداف مباشر من قبل مجموعات استيطانية متطرفة تحظى بحماية سياسية من وزراء نافذين.
وبحسب تقرير لصحيفة "هارتس"، فإن الجيش والشاباك لم يعقدا منذ شهور أي مداولات استراتيجية حول الوضع، رغم إجماع القيادات الأمنية على أن الضفة "الأكثر قابلية للاشتعال" وأن حادثاً واحداً كفيل بإشعال مواجهة واسعة ستجذب الجيش بكامله نحو الداخل.
ويشير التقرير أيضاً إلى توسع غير مسبوق للبؤر الاستيطانية العشوائية، أو ما تعرف بـ"المزارع"، التي تضاعف عددها خلال العامين الماضيين. وقد جرى ربط مئات هذه البؤر بالبنى التحتية بتكلفة مليارات الشواكل، فيما يتولى الجيش حمايتها رغم عدم قانونيتها. ويكشف ضباط أن الجيش اقتلع آلاف الأشجار الفلسطينية خلال شق الطرق أو تجهيز الأراضي لهذه المزارع، وهي عمليات لا تخضع لأي نقاش داخلي جدي، رغم تأثيرها المباشر على زيادة مستوى التوتر والانفجار الميداني.
دعم سياسي
وتوضح "هآرتس" أن تآكل سيطرة الجيش على المستوطنين يعود جزئياً إلى الدعم السياسي الذي يتلقاه هؤلاء من وزراء في الحكومة الحالية، وخصوصاً المتورطين مباشرة في إدارة شؤون الضفة. ويؤدي هذا الدعم إلى خلق بيئة يتصرف فيها المستوطنون باعتبارهم قوة فوق القانون، قادرة على مهاجمة الفلسطينيين وحتى الجنود دون خشية من المحاسبة. ووفق ضابط شارك في تدريبات ميدانية في الضفة، فإن "الجيش يسكت ويتصرف وكأنه عاجز عن ضبط الميدان، فيما يستمر المستوطنون في فرض أجندتهم الخاصة".
وفي ضوء هذا المشهد المركّب، تبدو الضفة الغربية أمام واقع أكثر هشاشة مما يبدو على السطح. فالاقتحامات اليومية، وتصاعد عنف المستوطنين، وتراجع سيطرة الجيش على مجريات الميدان، وغياب أي رؤية سياسية إسرائيلية، كلها عوامل تتقاطع لتولد بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية على الفلسطينيين، وتحول المستوطنين إلى قوة فاعلة في صياغة الواقع الميداني، يصبح احتمال الانزلاق نحو مواجهة واسعة أمراً مرجحاً، خاصة في ظل غياب أي جهة قادرة أو راغبة في كبح مسار التصعيد المتسارع.
