قدمت واشنطن رسمياً إلى مجلس الأمن، مشروع قرار خاص لتشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة. المشروع الذي سيُصوَّت عليه اليوم الاثنين جاء ترجمة حرفية تقريباً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب في غزة كما جرى التوافق عليها في لقاء نيويورك مع وزراء خارجية ثمان دول عربية وإسلامية. ويتضمن القرار العناصر المركزية الخمسة لخطة ترامب وهي مجلس السلام، وقوة الاستقرار الدولية، واللجنة الإدارية الفلسطينية، والشرطة المحلية بغزة والمسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية.
ووفق وسائل إعلام عبرية فقد نال المشروع تأييد 14 دولة عربية بعدما لمحت الإدارة الأميركية أن البديل عن الخطة هو عودة الحرب. وبموازاة الدعم العربي الإسلامي للمشروع الأميركي ظهرت محاولات روسية وصينية للتأثير على المشروع ولكن من دون توقّعات كبيرة بتغيير جذري، كما وصلت موسكو إلى حد طرح مشروع قرار مضاد لتسجيل موقف، بدون احتمالات جدية لتمريره، في حين تكمن قوة الثقل العربية والإسلامية في التواجد الفعلي على الأرض بغزة والتأثير إيجاباً على الجوانب والأبعاد الفلسطينية المباشرة سواء المحلية المتعلقة بنزع السلاح وحكم غزة أو تلك الخاصة بالضفة الغربية والقضية الفلسطينية على نحو عام، وما يعرف بالأفق والمسار السياسي نحو الدولة المستقلة وتقرير المصير.
شرعنة الخطة
إذن، يفترض أن يصوت مجلس الأمن اليوم على مشروع القرار الأميركي. بعد أن ربطت دول عربية وإسلامية مشاركتها بالقوة الدولية والانخراط في تطبيق وتمويل مراحل خطة ترامب، بتفويض من مجلس الأمن الدولي للقوة بحد ذاتها، كما لشرعنة الخطة على نحو عام.
يستند مشروع القرار بوضوح إلى الخطة التي أعلنت نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، ويتحدث عن تفاصيل متكاملة لأركانها، ويطلب تفويضاً أممياً عاماً لها، من دون أن يكون مجلس السلام والقوة الدولية مثلاً تابعان مباشرة للأمم المتحدة وعليه لن يرتدي أعضاء القوة القبعات الزرق. من هذه الزاوية ستكون شبيهة بالقوات الدولية العاملة في هايتي لمساعدة السلطات على فرض الأمن والاستقرار بتفويض أممي لكن دون أن تكون تابعة مباشرة للأمم المتحدة.
ووفق مشروع القرار الأميركي ستحافظ قوة الاستقرار على استقلاليتها ولن تموّلها الأمم المتحدة وإنما أعضاؤها من الدول العربية والإسلامية والأوروبية، هي نفسها التي ستموّل إعادة الإعمار. ومن هنا لن تُعرّف كقوات حفظ سلام؛ بل إنفاذ أو قوة تنفيذية وفق المصطلح المستخدم.
الفصل السابع
بناء عليه ستتمثل مهمة القوة أساساً بمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وتأمين حدود غزة مع إسرائيل ومصر، وطرق إدخال المساعدات الإنسانية وضمان وصولها لمستحقيها، ونزع سلاح حماس والفصائل وتفكيك البنى التحتية العسكرية لها، ومساعدة قوة الشرطة الفلسطينية المحلية المدربة والموثوقة التي ستعمل بإشرافها على حفظ الأمن بغزة.
المشروع أشار-حتى كتابة المقال- إلى أن القوة ستعمل وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؛ بمعنى أنها ستستخدم القوة لتحقيق أهدافها، وهو ما يبدو واضحاً من اسمها كما إبعادها عن التبعية المباشرة للأمم المتحدة كقوات حفظ سلام.
المفارقة هنا، أن إسرائيل أيضاً متحفظة على التفويض أياً كانت حيثياته، وعلى شرعنة الخطة نفسها ضمن سعيها التاريخي والمنهجي لإبعاد الأمم المتحدة عن الحرب والقضية الفلسطينية على نحو عام، وجعل أي مفاوضات واتفاقات أسيرة لموازين القوى الميدانية على الأرض التي يفرضها جيش الاحتلال.
كما ظهرت تحفظات عربية إسلامية، حتى مع الدعم المبدئي للمشروع، ووفق مصادر مطلعة، فقد جرى عمل منسق وحثيث مع واشنطن حيث عملت تركيا ومصر عن قرب على البنود المتعلقة بطبيعة القوة ومهامها كما آلية حكم غزة كي لا تفرض وصاية أجنبية على الفلسطينيين وضمان تمكينهم من حكم أنفسهم بأنفسهم.
هواجس السلطة
وفي هذا السياق، ظهر أيضاً تحفظ سعودي فرنسي بريطاني مشترك على الجانب السياسي المتعلق بحضور السلطة الفلسطينية في غزة، كما المسار والأفق السياسي نحو الدولة الفلسطينية وفق إعلان نيويورك وما تعرف بالمبادرة السعودية الفرنسية.
وبما يخص السلطة ووفق المصادر نفسها فقد جرت لقاءات أميركية مع البعثة الفلسطينية بنيويورك وطرحت السلطة هواجسها فيما يخص حكم غزة والأفق السياسي نحو الدولة وتقرير المصير، في حين سعت واشنطن إلى تهدئتها ونيل موافقتها وبالحد الأدنى ضمان عدم معارضتها العلنية للمشروع.
وعليه فقد تضمنت التعديلات التي جرى العمل عليها مباشرة مع واشنطن الدعوة لالتزام أكثر صرامة ووضوحاً بوقف إطلاق النار، وتخفيف الوصاية الأجنبية عبر تسمية مجلس السلام كهيئة حكم انتقالي لمدة سنتين، مع رفعه تقارير منتظمة إلى المجلس وباتت قوة الاستقرار الدولية مؤقتة- ضمنياً لنفس الفترة- وإدارة فلسطينية للشؤون الداخلية بمناحيها المختلفة، مع إشراك السلطة في تنسيق دخول المساعدات الإنسانية وتسلمها كامل المسؤولية بغزة بعد الفترة الانتقالية، ونص واضح على الأفق والمسار السياسي وتقرير المصير والمفاوضات برعاية أميركية، لكن بعد الانتهاء من إعادة الإعمار وإصلاح السلطة جدياً، وهي العملية التي ستستغرق عامين تقريباً مع قابلية للتمديد ربما لسنة ثالثة.
كانت تحفظات صينية روسية قريبة لتلك العربية والإسلامية والأوروبية، وبالرغم من طرح موسكو مشروع قرار موازٍ، إلا أنه جاء أقرب إلى المناكفة وجر واشنطن للتفاوض حول أوكرانيا لا غزة ولا فلسطين. ومع ذلك حسم البيان المشترك للدول العربية والإسلامية الثماني مع أميركا ودعم السلطة له. الأمر نظرياً لمصلحة المشروع الأميركي بعد إدخال التعديلات التي تساوقت إلى حد بعيد مع التحفظات الفلسطينية والعربية والإسلامية.
