يبدو أن إسرائيل انتقلت في ادعاءاتها لشرعنة اعتداءاتها في سوريا، من سيمفونية الشك بالحكم السوري الجديد و"مخاطره" المحتملة، إلى الدعوة للاستنفار واتخاذ خطوات استباقية و"وقائية"؛ بذريعة التحسب لسيناريو اغتيال الرئيس أحمد الشرع أو إزاحته عبر أطراف داخلية!
وتنبأت مواقع استخباراتية إسرائيلية بسيناريوهات "اليوم التالي" للشرع، مروراً بالتوصية للتحضر أمنياً لهكذا احتمال، بدعوى رصدها معطيات وأحداث بسوريا مؤخراً، وسط مزاعم بتصاعد غضب "جهاديين" داخل النظام السوري، تجاه الشرع لزيارته واشنطن، وتحريض تنظيم "داعش" عليه ووصفه ب"الخائن".
تضخيم إسرائيل
ووجدت مواقع أمنية إسرائيلية ضالتها في حادثة إطلاق صاروخي "غراد" قبل أيام، من منطقة كفر سوسة جنوب دمشق باتجاه حي المزة غرباً، وكذلك خطّ كتابات بمدينة حماة، تدعم "داعش" وتهدد رأس النظام السوري، عدا عن معلومات أمنية إسرائيلية مزعومة.
ورصدت "المدن" مقالة للباحث الإسرائيلي تال بيري، استعرض فيها "السيناريوهات الخطيرة لليوم التالي للشرع"، و"التحديات" الإسرائيلية المحتملة"، زاعماً أن هناك "خطراً مرتفعاً" على حياة الشرع وحكمه، بشكل أساسي من عناصر معروفة بـ"تشددها" ضمن دائرة الشرع المقربة والقوات الأمنية، وكذلك من "داعش".
ويستند بيري في ادعائه، إلى أن سوريا تمثل "استقراراً في ظل الاضطراب"، مع مواجهة الشرع ونظامه وسياساته تحديات وأعداء من الداخل، داعياً إلى التعامل بجدية مع "الاحتمال الواقعي"، ومفاده أن الشرع "قد لا يستمر" بالسلطة، بحسب بيري الذي يرى أن المفاوضات الأمنية مع تل أبيب، تشكل "إشارة حمراء" بالنسبة للجهاديين "المتشددين".
"انهيار وتفكك.. وفوضى"
واستعرض بيري، وهو رئيس قسم البحوث في موقع "علما" الاستخباراتي، السيناريوهات المرجّحة في حال اغتيال الشرع أو إزاحته عن الحكم، معتبراً أن السيناريو الأكثر احتمالاً بموجب التقييم الأمني الإسرائيلي، هو "الانهيار والتفكك والفوضى"، وهو ما سيؤدي إلى حرب بين "الميليشيات" وتقوية "داعش" وإعادة البنية التحتية "المُعادية لإسرائيل" في جنوب سوريا، بحسب مزاعم إسرائيل التي تفترض أيضاً سيناريو آخر، وهو الإبقاء على النظام الحالي في "اليوم التالي للشرع" بلا تفكك أو فوضى، ولكن تحت قيادة جديدة!
وبمنظور دوائر إسرائيل الأمنية، فإن الفوضى المحتملة ستُنتج "خطراً واضحاً وفورياً"، وقد تتسب "تدخلات" خارجية بما يشمل تركيا والمحور الشيعي، إلى تغيير ميزان القوى وفرض "مخاطر جديدة على حدود إسرائيل"، وَفق قولها.
توصية بالتأهب!
وهنا، انطلق بيري إلى التوصية للجهات الأمنية والسياسية الإسرئيلية، إلى ضرورة استعداد تل أبيب والنظام الدولي بقيادة أميركا، على المدى الفوري، لاستجابة "فعالة ومنسقة"، في سياق خطوات "وقائية ودفاعية"، بالتعاون مع دول وجهات إقليمية. كما أشار إلى أنه في حال "سقوط نظام الشرع"، يجب تنفيذ تنسيق عملياتي بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، بشأن جنوب سوريا، مع التركيز على قاعدة "التنف" قرب الحدود مع العراق، عبر تعزيز القوات الأميركية ميدانياً وإغلاق المنطقة بـ"النار والمراقبة"؛ لمنع تسلل ما يسميها "ميليشيات شيعية موالية لإيران". ولم ينسَ بيري في مقاله أيضاً، إلى تثبيت إسرائيل منطقة "عازلة" و"دفاعية" بجنوب سوريا، بدعوى التصدي لاحتمال هجمات ضد إسرائيل من "جهات سنية أو إيرانية"، في حال حصول سيناريو "الفوضى إذا سقط الشرع".
"جز العشب"
كما أوصى رئيس قسم البحوث في "علما"ـ، بمواصلة الجيش الإسرائيلي نهج "جز العشب" في جنوب سوريا، كإجراء "وقائي قبل وقوع الفوضى المحتملة، واعتبر أنه لا ينبغي أن تسمح الدولة العبرية لبادرة "إهداء ترامب زجاجات عطور للشرع"، بأن تمنعها من تبني مقاربة "أكثر فعالية" في جنوب سوريا، استعداداً لمرحلة "إسقاط نظام الشرع".
لكن مقال "علما" ومواقع بحثية وأمنية إسرائيلية أخرى، استدركت أن تحذيرها من "سيناريو أخطر" في حال عدم استمرار أحمد الشرع في الحكم، لا يعني أن نظامه لا يحمل "مخاطر محتملة" ضد إسرائيل، بزعم أن لدى الأخيرة شكاً بنواياه الحقيقية واحتمال اتباعه "الذرائعية"، بحيث يُظهر الشرع انفتاحاً تجاه العالم وتغييراً في فكره؛ بهدف تثبيت نظامه.. ثم كشف باطنه "الجهادي" في الوقت المناسب، بحسب هواجس إسرائيل المزعومة.
ما وراء إثارة سيناريو "اليوم التالي للشرع"؟
الحال أن إثارة دوائر إسرائيل الأمنية والاستراتيجية في هذا التوقيت تحديداً، لفرضية عدم بقاء الشرع في الحكم، وانهيار نظامه الوليد، تطرح تساؤلات بشأن دوافع تل أبيب الحقيقية من وراء ذلك، ولكن لا يُمكن استبعاد أن يكون هدف إسرائيل من هذه المزاعم، هو استباق أي احتمال لمطالبة أميركا لها بالانسحاب من أراضٍ سورية احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، بموجب أي اتفاق أمني قد يُبرم بضغط من الرئيس دونالد ترامب. إذ تريد تل أبيب عبر هذه الادعاءات أن تقول لواشنطن إنه لا يمكنها الانسحاب بشكل كامل، طالما أن "مخاوفها الآنية والمستقبلية" قائمة، وأن نظام الشرع "مهدد داخلياً" في أي لحظة، وهذا ما يُستنتج أيضاً من توصية مواقع أمنية إسرائيلية بأهمية الدعم الدولي لعودة إسرائيل إلى المنطقة العازلة، إذا تم الافتراض بطلب واشنطن بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي كليا أو جزئياً ضمن اتفاق أمني قد توقعه دمشق وتل أبيب.
رسالة تحذير إسرائيلية؟
مع ذلك، قد يُقرأ ترويج إسرائيل لاحتمال اغتيال الشرع أو الانقلاب عليه، كرسالة تحذير منها للرئيس السوري ومحاولة الضغط عليه ومقايضة بقاء حكمه بتقديم "تنازلات" تنشدها تل أبيب.
تجدر الإشارة إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية فاخرت بامتلاكها "أكبر مخزون معلوماتي" عن "جهاديي" المنطقة خلال الثورة السورية ضد نظام الأسد، لدرجة أن تقارير عبرية نوهت قبل سنوات، بأن تل أبيب منحت روسيا معلومات عن تلك الجماعات، مقابل مواصلة "نشاطها" ضد مصالح إيران بالأراضي السورية.. فهل تستخدم إسرائيل أدوات داخلية لإرباك سوريا الجديدة؟!
