أضفت الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق في 12 تشرين الثاني/ نوفبر الجاري، مشهدية جديدة على الساحة السياسية الداخلية وفي الإقليم المُحيط، لكن أبطال الاستعراض غالبيتهم من الوجوه القديمة والمخضرمين، وبعض اللَّاعبين الجُدُد لن يتمكنوا من تغيير الصورة، لأن البرلمان مُكبَّل بكتل وازنة مختلفة ومتنافسة في الموقف وفي السباق إلى السلطة، لكنها متفقة على الإمساك بمفاصل القرار، وعدم السماح للقوى الصاعدة بتخطي عتبة مقاعد القاعة العامة إلى قمرة القيادة.
عدم مشاركة السيد مقتدى الصدر وتياره الفاعل، لم يؤثر على مجرى الانتخابات العراقية كما كان منتظراً؛ بل على العكس، فقد تجاوزت نسبة الاقتراع الـ56.11 في المئة من أصل حوالي 20 مليون ناخب يحق لهم المشاركة، في حين لم تتجاوز نسبة الاقتراع في العام 2021، الـ40 في المئة. وهذه إشارة واضحة إلى أن المقاعد الـ73 التي فاز بها التيار الصدري في الانتخابات الماضية؛ توزعوا على الكتل المتنافسة، وأصواتهم ذهبت باتجاه تيارات جديدة. وهذه أولى الإشارات إلى أن المقاربات التي طفت على الساحة العراقية منذ الغزو الأميركي في العام 2003؛ بدأت تتغيّر شيئاً فشيئاً، وتنامي تأثير رجال الدين على الميدان السياسي لم يعُد بذات الاندفاعة السابقة.
استعراض خريطة توزّع القوى الرابحة؛ يؤكد أن الوجوه القديمة ذات الفاعلية الكبيرة، ما زالت هي نفسها تقريباً، بالرغم من أن رموز هذه الكتل الوازنة مُجبرة على تقديم عروض جديدة تتناسب مع التغييرات الهائلة التي حصلت في المنطقة المحيطة بالعراق، وقد تكون غير قادرة مُجدداً على إنتاج توليفات تحالفية وفقاً للاعتبارات السابقة، لا سيما لناحية رغبة أغلبية هذه الكتل بالخروج من سياق المُساكنة الصعبة التي كانت قائمة مع اللدودين الإيراني والأميركي، وكلاهما لاعبٌ لا يمكن تجاهله على الساحة العراقية.
فرضت نتائج الانتخابات الجديدة رئيس الوزراء محمد شيَّاع السوداني لاعباً رئيساً بقدرته الذاتية، كونه رئيس لإئتلاف الإعمار والتنمية، وهو أكبر كتلة برلمانية، وقد تجاوز عدد نوابه الـ53، وربما ينضم إليه عدد آخر. كما أعاد المشهد الانتخابي رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي إلى الواجهة، حيث حصل حزب تقدم الذي يترأسه على 34 مقعداً، وجاء الأول بعدد الأصوات في المناطق ذات الأغلبية السنية. والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني حافظ على نفوذه الواسع، وأضاف على كتلته الوازنة عدداً من النواب الجُدُد وبلغت كتلته 27 مقعداً. وجميع هذه القوى لا تُعتبر من صنف المُغرمين بالتنسيق مع ايران، حتى ولو لم يكونوا معادين لها.
ومن دون الغوص في تفاصيل التحليلات التي قد لا تكون دقيقة؛ يمكن تأكيد تراجع نفوذ الكتل التي كانت تدور أكثر من غيرها في الفلك الإيراني، أو على تنسيق معها على أقل تقدير، ومنها خصوصاً ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي حصل على 38 مقعداً فقط، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني الذي أوصل 18 فقط من مجموع مرشحيه. لكن هذه الكتل تملك هامش تحرُّك كبير، ويمكنها المناورة في سياق التحالفات الجديدة، وهي بطبيعة الحال ستستفيد من نواب الكتل الصغيرة والمستقلين المدعومين من فصائل الحشد الشعبي الموالية بغالبيتها لإيران.
لم تفرز الانتخابات أغلبية برلمانية واضحة المعالم، والكتل الفائزة تحتاج لبلورة تحالفات جديدة لتتمكن من تأليف حكومة جديدة، بعد انتخاب رئيسي الجمهورية والبرلمان. والكتل المتراجعة لديها قدرة على نسج توافقات قد تعطيها أفضليات سياسية كبيرة، لأن أكثر من ثلث عدد مقاعد البرلمان الـ329، حصل عليها مستقلون وقوى تغيير وكتل صغيرة، ويمكن لهؤلاء التحالف مع أي من الكتل الكبيرة لإحداث انقلاب جذري في المشهد.
ماذا سيكون تأثير نتائج الانتخابات على موقع العراق على الساحة الإقليمية والدولية؟
لا يمكن إخفاء التعديل الحاصل على المزاج العام للناخب العراقي، والرأي الغالب يميل باتجاه ألتفلُّت من المحاصرة السياسية التي تفرضها التدخلات الإيرانية، بما فيها من جوانب دينية واقتصادية وأمنية. وهناك بعض الاختناق من البراغماتية الأميركية التي تفعل الشيء ونقيضه خلال الفترة نفسها، حيث تضغط على بغداد للانفكاك من القيود الإيرانية، وتتقاسم المنافع مع طهران إذا دعت الحاجة. في حين أنَّ التيار الذي يُنشد التفاعل أكثر مع الحضن العربي يتزايد في الأوساط البرلمانية والشعبية، من دون أن يلقى احتضاناً كافياً من الجهات العربية المعنية، لأن هذه الجهات لا تريد أن تُستدرَج إلى مستنقع تنافس جديد في مواجهة الانفلاش الإيراني، أقله في الوقت الحاضر.
من الضبابية القائمة؛ يمكن مشاهدة نوافذ نور مُشعَّة في المشهدية العراقية، ولا تنحجب هذه المساحة التفاؤلية في كون إدارة المسرح ستبقى مع شخصيات قديمة.
