حولت إسرائيل، الحرب الدائرة في غزة والاشتباك المستمر على الحدود اللبنانية، إلى مختبر حي لتجريب السلاح والتكنولوجيا العسكرية. فالميدان صار حقل اختبار مباشر للأنظمة الجديدة، يسرّع الانتقال من الفكرة إلى التطبيق، ومن النموذج إلى التصدير.
من أنظمة تحديد الأهداف بالليزر التي طورتها شركة "سولروم" لتجنب النيران الصديقة، إلى مشاريع "رافائيل" و"إلبت سيستمز" في الدفاع الجوي بالليزر، مروراً بتوزيع أجهزة فردية لمكافحة الطائرات المسيرة على الجنود، تعيد إسرائيل تشكيل جيشها ليتلاءم مع حروب المدن والمسيرات والأنفاق، حيث تحسم الثواني والكلفة المنخفضة مصير المعركة.
من التجريب إلى التصدير
هذه السرعة الميدانية انعكست على الصناعة الدفاعية بأكملها؛ إذ تقلصت دورة تطوير الأسلحة وشرائها من سنوات إلى أشهر. فكل نظام يجرب ميدانياً في غزة أو جنوب لبنان يتحول بسرعة إلى سلعة مطلوبة في الأسواق الدولية. ويبدو أن الصناعات الدفاعية الإسرائيلية وجدت في الحرب وسيلة لتطوير وتسويق منتجاتها، مدعومة بشعار واحد أصبح الأكثر رواجاً في المعارض العسكرية: "مجرب في المعركة".
تسجل الصادرات الدفاعية الإسرائيلية أرقاماً غير مسبوقة، مع ازدهار الطلب على الأنظمة الرخيصة والمحمولة التي تمكن الجيوش من مواجهة المسيرات والصواريخ القصيرة المدى. كما استفادت الشركات الإسرائيلية الصغيرة والمتوسطة من هذه الديناميكية الجديدة عبر تصنيع تجهيزات بسيطة كأجهزة التعريف الميداني والعلامات البصرية التي توزع على الجنود. لكن هذا النجاح الاقتصادي يقابله ثمن إنساني وسياسي باهظ؛ إذ يتحول المدنيون في غزة ولبنان إلى ضحايا جانبيين في عملية اختبار ميدانية تقدم للعالم كإنجاز تكنولوجي.
الكلفة الأخلاقية والقانونية
ما تحققه إسرائيل من أرباح في الميدان قد تخسره في السوق. فبعض الدول الأوروبية بدأت تراجع تراخيص استيراد الأسلحة أو مكوناتها، في حين أدرجت مؤسسات استثمارية كبرى شركات إسرائيلية على قوائم المقاطعة الأخلاقية. حتى في الولايات المتحدة، بدأ جدل قانوني وأكاديمي حول شرعية استخدام الأسلحة المجددة أو المختبرة في مناطق مدنية مكتظة. ومع أن الحكومات الغربية لا تزال داعمة سياسياً، إلا أن صورة "المختبر الحي" باتت تربك الرأي العام وتضع الصناعات العسكرية الإسرائيلية تحت مجهر أخلاقي دائم.
ومع توسع مشاركة القطاع الخاص الإسرائيلي في تطوير الأنظمة الجديدة، تزداد احتمالات المساءلة القانونية. فقد يلجأ مدنيون وناشطون في لبنان أو غزة إلى رفع دعاوى أمام محاكم في أوروبا أو أميركا، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية أو إلى قوانين حماية حقوق الإنسان.
هذه المسارات القضائية، إن فُتحت، قد تلحق أضراراً مالية وسمعية بالشركات المنتجة وتقيّد عقودها التصديرية. وهكذا، يصبح السعي وراء المبيعات السريعة سلاحاً ذا حدين، مكسب مالي عاجل يقابله خطر قضائي طويل الأمد.
خريطة إقليمية جديدة
في الميدان التقني، لا تزال إسرائيل تراهن على أنظمة الليزر عالي الطاقة باعتبارها مستقبل الدفاع الجوي، لكنها تواجه تحديات حقيقية في مجالات توليد الطاقة والتبريد والاستقرار الميداني لهذه الأنظمة. كما أن دمجها مع منظومات مثل "القبة الحديدية" لم يكتمل بعد. توازياً، يجري تزويد الجنود بأجهزة شخصية لمكافحة المسيرات، وهذا ما يزيد من الأعباء اللوجستية والتدريبية، ويكشف أن التحول التكنولوجي العسكري لا يزال في منتصف الطريق.
في الواقع، يتحول لبنان إلى ساحة اختبار شبه يومية، تُجرب فيها التقنيات الجديدة وتُختبر فعالية الاستجابة المقابلة من المقاومة. من ناحيتها، تتابع إيران هذا المسار بدقة، مدركة أن ما يُختبر اليوم ضد حلفائها قد يُستخدم غداً ضدها، في حين تتعامل دول آسيوية مع التجربة الإسرائيلية ببراغماتية حذرة، مائلة إلى التعاون غير المعلن مع الشركات الإسرائيلية عبر وسطاء أو مشاريع أمنية مدنية.
بهذا، تتجاوز حربا غزة ولبنان حدودهما الجغرافية لتتحولا إلى محرك يعيد تشكيل الخريطة العسكرية والاقتصادية في الشرق الأوسط، بين مختبر في الجنوب، وسوق مفتوحة في الغرب، ومراقبين حذرين في الخليج.
في النهاية، ما يجري ليس مجرد تحديث في ترسانة السلاح؛ بل تحول في فلسفة الحرب نفسها. لقد أصبحت التجربة القتالية رأس مال يسوق في المعارض الدفاعية، وصار الابتكار يقاس بفاعليته وسط الركام. ومع كل قفزة تقنية، تتراجع الحدود الأخلاقية خطوة إلى الوراء، وتبرز المعضلة الأهم، هل يمكن بناء قوة ذكية على أنقاض المدنيين؟
ربما تمتلك إسرائيل الجواب التكنولوجي، لكنها لا تزال عاجزة عن تقديم الجواب الإنساني. فكل ابتكار يولد من تحت القصف من بين المجازر يحمل في داخله ظل الضحية، مهما كانت دقته أو قدرته على الاعتراض.
