المناطق الطبيعية: يد إسرائيل الخفية لضمّ الضفة

الضفة الغربية مستوطنة أفرات.jpg
السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية تتجاوز بكثير حدود المستوطنات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

على امتداد طرقات الضفة الغربية، يتكرر مشهد واحد أمام كل من يتنقل بين مدنها وقراها: مساحات شاسعة من الأحراش الخضراء تمتد حتى الأفق، غابات كثيفة من أشجار السرو المصفوفة بعناية. مساحات تبدو قريبة جداً، على بُعد أمتار من الشارع أحياناً، لكنها تظل بعيدة كل البُعد عن متناول الفلسطينيين. أراضٍ محرّمة بلا إعلان رسمي، محميات بلا لافتات، جدران خضراء تحاصر التجمعات الفلسطينية وتبتلع أراضيهم تحت ذريعة حماية البيئة.

 

خنق الحيز الفلسطيني

هذه المشاهد الخادعة تكشف حقيقة أن السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية تتجاوز بكثير حدود المستوطنات المرئية. ففي حين تتحدث الأرقام الرسمية عن الموافقة على توسيع المستوطنات، وازدياد عدد البؤر الاستيطانية، تعمل منظومة معقدة أخرى من آليات السيطرة الخفية على خنق الحيز الفلسطيني من دون إعلانات رسمية. مناطق إطلاق نار عسكرية، مناطق صناعية استيطانية، و"محميات طبيعية" تحوّل الأرض الفلسطينية إلى متاحف بيئية محظورة على أصحابها.

ما هو أخطر من الأرقام المعلنة هو الكيفية التي تتحول فيها الأحراش والأراضي الزراعية تلقائياً إلى مناطق محظورة بحكم الأمر الواقع؛ إذ لا يستطيع الفلسطينيون الوصول سوى إلى 10 في المئة من أراضي المناطق "ج" التي تشكل أكثر من 60 في المئة من مساحة الضفة الغربية. هكذا يتحول الاحتلال من مجرد سيطرة عسكرية إلى نظام فصل جغرافي شامل، يعيد تشكيل المكان والهوية الفلسطينية من جذورها، حتى من دون إعلان رسمي.

 

الضم بالأحراش

تستغل السياسات الإسرائيلية الأحراش والمناطق الطبيعية في إعادة رسم المساحة الاستعمارية بما يخدم مشروع مصادرة أكبر كمّ من الأراضي الفلسطينية وتعزيز وجود المستوطنين وسيطرتهم على هذه المناطق، عبر إقصاء الفلسطينيين عنها لتكون المساحة المسيطر عليها لا تقتصر فقط على حدود المستوطنة، إنما على كل المنطقة المحيطة بها والمساحة المستقبلية لامتداد المستوطنات. وتشير الإحصائيات إلى أن المستوطنات الإسرائيلية تستولي على 3 أضعاف المساحة المعلن عنها، عبر السيطرة على مناطق أحراش شاسعة لا تدخل في منطقة عمران أيّ من المستوطنات.

 

ولا تقتصر الأحراش الطبيعية التي يُمنع على الفلسطينيين الوجود فيها على المناطق المحاذية للمستوطنات فقط؛ بل تمتد إلى ما يصنف مناطق طبيعية واسعة على أطراف الشوارع الرئيسة، باعتبارها مناطق أحراش طبيعة خاضعة للمراقبة الإسرائيلية، ويمنع أصحاب الأراضي من المساس بها أو التغيير في مشهدها، أو حتى زراعتها، مع أنه لم يُعلَن عنها رسمياً باعتبارها محميات طبيعية، وبقيت ملكيتها مسجلة بأسماء أصحاب الأرض، مع أنه للمفارقة، في حين تدعي المؤسسات الإسرائيلية حماية الطبيعة، تتربع مصانع إسرائيلية قرب هذه الأحراش؛ إذ يتواجد في الضفة الغربية ما يقارب 300 مصنع إسرائيلي تتوزع في مناطق مختلفة من المستوطنات الإسرائيلية.

 

خوفاً على البيئة؟ حقاً؟

وراء هذه السياسات تقف مؤسسات إسرائيلية تتخذ من حماية البيئة ستاراً لأجندتها الاستيطانية. في مقدمة هذه المؤسسات تأتي سلطة الطبيعة والحدائق، المؤسسة الحكومية التي تشكلت من دمج سلطتين حكوميتين في العام 1998، بعد أن تأسستا بقرار من الكنيست في العام 1963. هذه السلطة التي تدير اليوم 190 محمية طبيعية و66 حديقة وطنية على امتداد فلسطين التاريخية، تسيطر على 50 محمية في الضفة الغربية وحدها، بمساحة إجمالية تبلغ 699.39 كيلومتر مربع؛ أي ما يعادل 12 في المئة من مساحة الضفة.

يدير أعمال سلطة الطبيعة والحدائق قادة عسكريون سابقون في جيش الاحتلال الإسرائيلي يتبعون بالأساس إلى أحزاب يمينية متطرفة، يخلقون من فكرة المحافظة على المشهد الطبيعي حجة للاستيطان وزيادة عدد الأراضي المسيطر عليها، وهذا ما يعطيهم قدرة على فهم طبيعة الأرض الفلسطينية والتعامل مع الإدارة المدنية، وصلاحية للوصول لشبكة علاقات مع ضباط إسرائيليين ومسؤولين وسياسيين، مما يخدم هدفهم في السيطرة على الأرض. إضافة إلى ذلك، فلسلطة الطبيعة والحدائق الحق في الإعلان عن المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية، أو الإعلان عن ترميمها والتغيير في مشهدها.

 

إضافة إلى سلطة الطبيعة والحدائق، تعمل أيضاً في جزء من مناطق "ج"، جمعية حماية البيئة التي اُنشئت في العام 1953، وعمل مؤسّسوها على نحوٍ تطوعي، وهدفت الجمعية إلى زيادة الارتباط الإسرائيلي بالمنطقة، والجمعية تعمل بالأساس في الأراضي المستعمرة في العام 1948، إلا أن لها أنشطة أيضاً في الأراضي المحتلة سنة 1967، وللجمعية صلاحية في تسليم مخالفات لكل من لا يلتزم بأوامرها، وتصدر المخالفة المالية لأسباب تتعلق إما بقطف الثمار أو الزهور أو صيد الحيوانات. 

تُعرف هذه الجمعية بتعاونها مع الجيش الإسرائيلي، خصوصاً قوات حرس الحدود، وفي مساهمتها في تأسيس مستوطنة "جيلو". وتساهم الجمعية مساهمةً رئيسة، عبر الخرائط، في تغيير الأسماء الفلسطينية لأسماء إسرائيلية، وتنظم رحلات ومسارات لتلك المحميات باعتبارها أرض تحمل أسماء إسرائيلية، وكان لها دور فعال في تنظيم رحلات وخرائط للنقب والجليل بعد أن شرعت الحكومة بتنفيذ مشاريع استيطانية مكثفة فيها، إضافة إلى عملها على مراقبة المناطق الطبيعة في مناطق "ج".

 

آليات السيطرة الخفية

تُصنّف ما نسبته 36 في المئة من مساحة الضفة الغربية كـَ "أراضي دولة" و"أراضي مسح" و"مناطق إطلاق نار" و"محميّات طبيعية" و"حدائق وطنية"، يمنع على الفلسطيني البناء فيها أو حتى الوجود في جزء كبير منها. يستخدم الاستعمار الاستيطاني في مناطق "ج" المحميات الطبيعية مبرراً لإقصاء الفلسطيني عن الأرض، وإماتة فاعليته فيها، عبر منعه من تغيير ملامح الأرض في المستوى الأول، وتقليص فرصته في الوجود فيها على المساحة المتبقية.

تشكل المحميات الطبيعية جزءاً من عملية السيطرة على الأرض؛ إذ لا يتعلق قرار الإعلان عن المحميات الطبيعية لكونها مناطق طبيعية، إنما بقربها من المستوطنات والمناطق العسكرية الإسرائيلية، وبأهمية موقعها بالنسبة للمستوطنين. يتضح هذا أيضاً من رصد مواقع المحميات الطبيعة في مناطق "ج"، فكما تشير التقارير فإن 36.2 في المئة من المحميات الطبيعية تتداخل مع المستوطنات الإسرائيلية. في حين أنَّ 39.5 في المئة منها تتداخل مع قواعد ومناطق عسكرية مغلقة، هذا يوضح أن عملية الإعلان عن المحميات الطبيعية تخضع لحسابات التوسع والسيطرة الإسرائيلية على الأرض، وضبط الفلسطينيين.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث