تعهد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، وقف عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، في أعقاب موجة هجمات استهدفت الفلسطينيين.
وقالت الشرطة والجيش الإسرائيليان الثلاثاء إن قوات الأمن أوقفت عدداً من المستوطنين بعد صدامات قرب مدينة طولكرم بالضفة الغربية، أصيب خلالها فلسطينيون ودُمرت ممتلكات.
وأفاد الجيش بأنه أرسل قوات بعدما "هاجم مدنيون إسرائيليون ملثمون... فلسطينيين وأضرموا النار في ممتلكات في المنطقة"، مضيفاً أنه تم إجلاء أربعة فلسطينيين مصابين لتلقي العلاج.
وقال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير في بيان أصدره الجيش: "نحن على علم بالحوادث العنيفة الأخيرة التي هاجم فيها مدنيون إسرائيليون فلسطينيين وإسرائيليين. وأنا أدينها بشدة".
وأضاف أن الجيش "لن يتسامح مع السلوك الإجرامي الذي تقوم به أقلية صغيرة تشوه سمعة الجمهور الملتزم بالقانون"، معتبراً أن "هذه الأفعال تتناقض مع قيمنا، وتتجاوز خطا أحمر، وتصرف انتباه قواتنا عن مهمتها".
اتهامات بالتقاعس
شهدت الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من هجمات المستوطنين، أثارت إدانات علنية نادرة من شخصيات إسرائيلية بارزة، وسط اتهامات للحكومة بالتقاعس عن كبح هذه الاعتداءات المتصاعدة. وشن مستوطنون هجوماً واسعاً قرب بلدة بيت ليد شرقي طولكرم، استهدف منشآت صناعية وزراعية فلسطينية، ما أدى إلى اندلاع حرائق وإصابة عدد من المواطنين.
وقال الرئيس الأسبق لأركان جيش الاحتلال الإسرائيلي غادي آيزنكوت لإذاعة الجيش، إن "شبان التلال الذين يهاجمون جنود الجيش الإسرائيلي ويحرقون المركبات إرهابيون، ويجب معاملتهم بقسوة"، داعياً إلى إنهاء حالة "الفوضى التي تمس بسمعة الجيش".
وفي موقف مماثل، دان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في تدوينة على منصة "إكس"، الهجمات التي نفذها مستوطنون شمالي الضفة الغربية، واصفاً إياها بأنها "صادمة وخطيرة". وقال: "هذا العنف ضد المدنيين وجنود الجيش الإسرائيلي يتجاوز الخط الأحمر، وعلى جميع مسؤولي الدولة التحرك بحزم للقضاء على هذه الظاهرة".
من جانبه، أقر قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، الجنرال آفي بلوت، بتزايد هذه الاعتداءات، قائلاً لهيئة البث الإسرائيلية إن "الواقع الذي يمارس فيه الشباب الفوضويون العنف ضد الأبرياء وضد قوات الأمن هو واقع لا يُطاق وخطير للغاية، ويجب التعامل معه بحزم".
ورأت عضو الكنيست عن حزب "هناك مستقبل" المعارض ميراف بن آري أن الحكومة "تدعم مثل هذه الأحداث"، مضيفة أن "أي وزير لم يدن علناً ما حدث الليلة الماضية"، في إشارة إلى التواطؤ السياسي مع الجماعات الاستيطانية المتطرفة.
رقم قياسي جديد في عنف المستوطنين
وفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في 7 تشرين الثاني/نوفمبر، شهد شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي أعلى عدد شهري لهجمات المستوطنين منذ بدء التوثيق عام 2006، إذ تجاوزت 260 هجمة أسفرت عن ضحايا وأضرار بممتلكات الفلسطينيين، بمعدل ثمانية حوادث يومياً.
وأشار التقرير إلى أنّ عنف المستوطنين خلال موسم قطف الزيتون الحالي بلغ مستوى غير مسبوق، مع تسجيل نحو 150 هجمة أسفرت عن إصابة أكثر من 140 فلسطينياً وإتلاف أكثر من 4200 شجرة زيتون في 77 قرية بالضفة الغربية.
وقالت وكالة "رويترز" إن هذه الاعتداءات تمثل "قفزة غير مسبوقة" في وتيرة العنف الاستيطاني، بينما أوردت وكالة "أسوشييتد برس" أن الرئيس الإسرائيلي نفسه اضطر إلى إصدار بيان علني لأول مرة منذ سنوات بسبب "الانفلات المتزايد" في صفوف ما يُعرف بـ"شبان التلال" المتطرفين.
تهميش القانون وصعود التطرف
تقدر حركة "السلام الآن" الإسرائيلية عدد المستوطنين في الضفة الغربية بنحو نصف مليون، وتقول إن "الخطر الجديد" يتمثل في مجموعات خرجت من رحم اليمين الديني تحمل أسماء مثل "همج التلال"، تتبنى العنف ضد الفلسطينيين والجيش على حد سواء.
ووفق صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن هذه المجموعات لا تخضع لقيادة مركزية، بل تعمل بشكل مستقل، وغالباً ما تحظى بتغطية سياسية من وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو ينتمون إلى أحزاب "القوة اليهودية" و"الصهيونية الدينية".
وفي حين تقرّ المنظومة الأمنية الإسرائيلية بتزايد الاعتداءات، فإنها لا تعلن عن أي إجراءات ملموسة ضد منفذيها، ما يكرس حالة الإفلات من العقاب، ويشجع المزيد من الهجمات المنظمة ضد القرى الفلسطينية.
أبعاد سياسية وإنسانية
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه حكومة نتنياهو ضغوطاً دولية متزايدة بسبب سياسة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، في ظلّ حرب مستمرة في غزة منذ أكثر من عام، وتوترات متصاعدة على الحدود الشمالية.
ويرى محللون أن تصاعد عنف المستوطنين يعكس "تحولاً خطيراً" في ميزان السيطرة الأمنية بالضفة الغربية، حيث تتراجع سلطة الدولة أمام الميليشيات اليمينية المسلحة، وتُترك المناطق الريفية الفلسطينية عرضة لهجمات منظمة تهدف إلى توسيع نطاق السيطرة الاستيطانية وطرد المزارعين من أراضيهم.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الاعتداءات دون رادع قانوني أو سياسي قد يقود إلى تصعيد شامل في الضفة الغربية، خصوصاً مع ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين منذ بداية العام إلى أكثر من 550، وفق بيانات الأمم المتحدة.
