بصمتٍ يليق بجريمةٍ ثقيلة، طاولت السرقة واحداً من أغنى عشرة متاحف في العالم: المتحف الوطني بدمشق. ففي ليل الأحد ــ الاثنين، تعرض القسم الكلاسيكي، أحد أثمن أقسام المتحف، لعملية اقتحام مُحكمة استهدفت خزائن وواجهات عرض، وسط تكتم رسمي على مجريات التحقيقات التي شملت احتجاز موظفين وحُراس لساعات متأخرة، وفحصاً دقيقاً لكاميرات المراقبة.
وقال مصدر مطلع في مديرية الآثار والمتاحف لـ"العربي الجديد" إن العملية "استهدفت خزائن وواجهات عرض داخل القسم الكلاسيكي، حيث جرى تحطيم ستّ خزائن وسرقة محتويات بعضها". وأوضح أن القسم يضم مجموعة مهمة من القطع العائدة لثلاث فترات رئيسية: الهلنستية "333 ق.م – 64 ق.م"، والرومانية "64 ق.م – 365م"، والبيزنطية "395م – 632م". وتتنوع المقتنيات بين أيقونات نحاسية ذات صور دينية، صحون فخارية مزخرفة بنقوش صلبان، صلبان برونزية، مطرات فخارية، ومنحوتات حجرية لمشاهد إنسانية وأدوات كنسية. وبحسب المصدر، تعود معظم القطع المسروقة إلى الفترتين الرومانية والبيزنطية.
وأضاف المصدر أن التحقيقات مستمرة لتحديد قيمة المسروقات وهوية الفاعلين، وقد شُكل فريق مشترك بين المديرية ووزارة الداخلية "للتثبت من الحقيقة والتأكد من عدم تورط أي موظف أو عنصر حراسة في تسهيل العملية"، قبل إحالة القضية إلى القضاء.
من جهتها، أكدت مصادر قريبة من إدارة المتحف الوطني بدمشق لوكالة "فرانس برس" أن "السرقة طاولت ست قطع أثرية كانت معروضة في الجناح الكلاسيكي"، فيما أكد مصدر آخر مطلع على الملف المعلومة ذاتها، لافتاً إلى أن المسروقات شملت مسبوكات ذهبية. ونقلت الوكالة عن مصدرٍ أمني قوله إن "عدداً من موظفي وحُراس المتحف احتُجزوا الإثنين عقب السرقة وجرى التحقيق معهم قبل إطلاق سراحهم"، فيما أوضح مسؤول في إدارة متاحف سوريا أن "قوات الأمن منعت دخول الموظفين إلى قاعات العرض منذ حصول السرقة ليل الأحد ــ الاثنين". وامتنعت إدارة المتحف عن الإجابة على أسئلة الوكالة، واكتفى مسؤول بالقول إن "المتحف مغلق لسبب أمني، وسيُعاد افتتاحه الأسبوع المقبل".
وفي روايةٍ موازية، أفاد مصدر في المتحف لوكالة "رويترز" بأن لصاً حطم واجهة عرض زجاجية يوم الإثنين وبقي داخل المبنى حتى المساء على ما يبدو، مشيراً إلى أن ستة تماثيل أثرية كانت ضمن المسروقات. بدوره، قال رئيس الأمن الداخلي في دمشق أسامة محمد خير عاتكة إن الجهات المختصة بدأت التحقيق في الحادثة، فيما نقلت وكالة الأنباء السورية "سانا" أن فرقاً متخصصة تنفذ عمليات تعقبٍ وتفتيش للقبض على المسؤولين واستعادة الآثار المسروقة، مع استجواب حُراس الأمن والمسؤولين لتحديد الملابسات.
جريمةٌ تمسّ الهوية الثقافية
ويعتبر القانون السوري حماية الآثار والتراث الوطني من الجرائم الجنائية الخطيرة. وتصل العقوبات إلى السجن المؤبد إلى جانب غرامات مالية ضخمة، ولا سيما إذا استهدفت الجريمة متحفاً رسمياً أو مقتنيات تُعد جزءاً من التراث الوطني. وتشدد القوانين العقوبة إذا ثبت تواطؤ داخلي من موظف أو حارس استغل موقعه لتسهيل السرقة، مع مصادرة كل الممتلكات المشتبه بسرقتها أو تهريبها ومنع تداولها داخلياً وخارجياً، وتغليظ العقوبة على كل من يشارك في تهريب الآثار إلى الخارج.
المتحف الوطني: ذاكرة بلد
ويُعد المتحف الوطني بدمشق من أبرز المؤسسات الثقافية في سوريا ومن أغنى عشرة متاحف في المنطقة. و تأسس عام 1919 بصفته أقدم مؤسسة تراث ثقافي في البلاد، ويضم مجموعات واسعة تمثل حضارات سورية القديمة من العصور الغابرة مروراً بالهلنستية والرومانية والبيزنطية وصولاً إلى العصر الإسلامي. وتتوزع مقتنياته على أقسام متخصصة تشمل آثار العصور الحجرية، والآثار الشرقية السورية القديمة، والآثار الكلاسيكية، والآثار الإسلامية، والفنون الحديثة.
ومع اشتداد الحرب قبل نحو 14 عاماً، نُقلت محتويات معظم المتاحف السورية إلى دمشق، ما جعل المتحف الوطني "واحداً من أغنى عشرة متاحف في العالم". وكان قد أُغلق عام 2012 بسبب القتال في العاصمة، ثم أُعيد افتتاحه جزئياً في 2018، واستأنف عمله بالكامل في كانون الثاني/ يناير 2025. وعند إعادة فتح أبوابه في 8 يناير/كانون الثاني 2025 بعد إغلاقٍ عشية سقوط المخلوع بشار الأسد، أكدت الإدارة حينها أنه "لم تحصل أي تعديات على المتحف".
إرث الحرب: نزيف لم يتوقف
ولم تسلم المواقع الأثرية والمتاحف من تداعيات الحرب. فقد تضررت المدينة القديمة في حلب وتدمر على نحوٍ كبير. وفي 2020، ذكر تقرير صادر عن مؤسسة جيردا هنكل والجمعية السورية لحماية الآثار في باريس أن أكثر من 40 ألف قطعة أثرية نُهبت منذ عام 2011 من المتاحف والمواقع الأثرية. وقد أتاح انهيار المنظومة الأمنية تهريب العملات المعدنية والتماثيل وقطع الفسيفساء إلى أنحاء العالم، مع ازدهار سوقٍ سوداء للآثار.
