الشرق يفقد ذاكرته!

رأيالقاهرة- عبد المنعم مصطفىالثلاثاء 2025/11/11
Image-1762812001
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

توشك الجغرافيا في معمعة حروب لا تحترم الحدود، ولا تأبه بالمسافات، أن تعصف بإرث التاريخ، كردّ فعل نزق، لتحولات أنتجتها ثورات تقنيات الإتصال. وتوشك أجيال دارت رؤوسها تحت وطأة تغيير عاصف للخرائط، أن تفقد بوصلتها، فلا تدري مواضع أقدامها راهناً، ولا أين ستصبح في المستقبل إن كان لها مستقبل. 

أما أنا كشاهد عيان، لم يملك في أي وقت، لا القدرة، ولا الإرادة، لعقلنة ما يجري، أو حتى لفهمه. فإيقاع التغيير يلفحني، سواء في الشرق الأوسط الكبير، أو في قلب أوروبا، حيث تستضيف أوكرانيا فوق أرضها، أحد أكبر منازلات الصراع. 

لا أظن أن من اخترع الواي فاي (وهو المصري حاتم زغلول بالمناسبة) كان يتوقع هذا الأثر الحاسم لاختراعه، على خرائط عالمه، ولا على إيقاع الحوادث فيه، ولا على اتجاهات التغيير بعد اختراعه، لكنني بتّ متأكداً من أن تغييرات عصفت ببلادي، تحت وطأة ما أسماه الإعلام الغربي، بثورات الربيع العربي، ما كان لها أن تقع، على نحو ما جرى، لولا تقنيات اتصال اختصرت المسافات حد الغائها، واختزلت الخطوات حتى باتت وكأنها غير مرئية. 

التطور المذهل في أدوات التأثير، جعل التغيير ممكناً، وجعل التأثير ملموساً، لكن عالمنا بعده أصبح عصياً على التوقع، فلا يمكنك، مثلاً، توقع ما جرى لـ"حزب الله"، ولإيران من خلفه، جراء توظيف جائر لجهاز (البيجر) تحوّل معه هذا الجهاز (السلمي) الى سلاح مميت يقطف رقاب من يحملونه.

ولا يمكنك التوقع أن تطبيقاً مثل "جي بي إس"، يمكن أن يرشد قذيفة موجهة الى رأس ضحيتها، لدى انعطافه بدراجته النارية عند إحدى الحارات، فيما يسترشد ضحيتها بخرائط جي بي إس (القاتلة) نفسها للوصول الى غايته. 

 بقيت الحروب كما هي منذ بدء الخليقة، لتجسد أعلى مستويات الصدام عند تعارض المصالح، لكن أدوات الحرب تبدلت على نحو مذهل، لتجعل الحرب ممكنة في أغلب الحالات.

هذا الالتباس، الناجم عن استخدام تقنيات السلم، لإشعال الحروب، سمح بدوره لالتباس آخر، مُفتَعل، يتيح تعايش الأضداد، وتناقض الحلفاء فوق مسرح صراع واحد. خذ الحرب في السودان مثلاً، حيث مواجهات غير مباشرة بالسلاح، بين أطراف تجمع بينها مصالح عميقة خارج مسرح الحرب السودانية، ويغلفها ما أسميه بـ"الغفلة الاستراتيجية" عندما تحتكم أذرعتها على الأرض، الى البارود والدم. 

الحرب في السودان، تسمح بمواجهات غير مباشرة، بين قوى تتحالف خارج السودان، لكنها تتقاتل فوق أرضه، ربما بتأثير حسابات، غير دقيقة، أو أطماع غير محسوبة، أو مخاطر غير مقدرة، لكن هذا الالتباس الاستراتيجي المقصود، يحقق غايات تكتيكية لمن اصطنعوه. 

فحتى الناجين من عواصف الربيع العربي، كبرت خرائطهم طوعاً أو كرهاً، فهم إما راغبين في إغتنام لحظة ارتباك، أو بادرة ضعف، أو سانحة عجز طاريء، لتوسيع خرائط مصالحهم، أو لتأمين سلامة دولهم. فهم بعبارة أخرى، هاربون الى القوة، يتوسعون بدافع الخوف، لا بدافع القدرة. 

التحولات العاصفة بالإقليم، لا تدع شيئاً على حاله، فهي تعصف حتى بالذاكرة، وبالذكريات. أنظر حولك فوق خارطة ما كان قبل الخامس من حزيران/يونيو 1967، وما أصبح بعد السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023. السودان لم يعد واحداً، بل اثنان أحدهما (الشمالي) مرشح للتشظي والتقسيم، وفق حسابات أمر واقع جديد.. الصومال المسالم الجميل في عهد سياد بري، لم يعد صومالاً واحداً، العراق الذي كان لديه أحد أكبر الجيوش في الشرق الأوسط، بات عراقين أحدهما كردي والآخر ملتبس بين هوية عربية وأخرى شيعية، حتى سوريا التي كانت واحدة، لم تعد كذلك، وليبيا أيضاً ما عاد القرار فيها واحداً ولا الجيش واحد، كذلك اليمن الذي حارب لتوحيد شطريه، تشظى هو الآخر! 

لا أظن أن أجيالاً جديدة من عرب الغد، يمكنها أن تستوعب مقدار ما فعله تاريخنا الحديث جداً، بجغرافيتنا الممتدة جداً، فالحوادث الجسام لم تعصف فحسب بجغرافيتنا، وإنما توشك أن تعصف بالهوية، وبالذاكرة الجمعية العربية. 

حماية الذاكرة العربية، تبدأ بحماية الأرض العربية، التي لا تتحقق بغير إنسان عربي، نال حقوقه المشروعة في الحياة، والأمن، والصحة، والتعليم، والمسكن، والمأكل، والترفيه، وقبل كل هذا وذاك، حريته في الاختيار، وفي التعبير والشكوى وحتى في النجوى. 

الخيارات الحرة تصنع أوطاناً حرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث