تحول تركي تجاه "حزب العمال الكردستاني".. سلام أم مناورة؟

خاص - المدنالاثنين 2025/11/10
GettyImages-2113302494.jpg
"قسد" ترغب في إبقاء الملف الكردي في حالة تأهب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في تحول مفاجئ بعد سنوات من التصعيد العسكري والخطاب الأمني الحاد، تجري تركيا محادثات مع حزب العمال الكردستاني تهدف إلى السماح لآلاف المقاتلين والمدنيين التابعين له بالعودة إلى ديارهم من مخابئهم في شمالي العراق. 

الخطوة أثارت تساؤلات واسعة حول الدوافع التركية من هذا التقارب، وانعكاساته المحتملة على الوضع في شمال شرقي سوريا، خصوصاً في ظل الارتباط المعلن بين ملف حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

 

تأهب دائم

وفق تفاصيل ميدانية وتحليلات محلية، فإن الملف يُعتبر شائكاً ومعقداً بالنسبة لتركيا، لا على الصعيد الأمني فحسب؛ بل أيضاً على المستوى الداخلي والإقليمي، فالداخل التركي، كما تشير المعلومات، بدأ يتشكل فيه نوع من القناعات الجديدة، تزامناً مع تحوّلات في التفاهمات الإقليمية تشمل سوريا والعراق، بل وربما إيران.

المراقبون يربطون هذه المبادرة التركية مباشرةً بملف "قسد" في سوريا، فأنقرة وفق ما تتحدث به مصادر مطلعة، تشعر بالقلق إزاء رغبة "قسد" في إبقاء الملف الكردي في حالة تأهّب دائم، وتجاهل ما يجري في الداخل التركي من تحوّلات. 

الأهم في هذا السياق هو الحديث المتكرر عن انتقال عدد من مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى صفوف "قسد" في سوريا، وهو أمر إن صح، فقد يُعيد رسم خريطة التهديدات الأمنية من وجهة نظر أنقرة، ويُضعف من ثقة تركيا في جدوى عملياتها العسكرية الحالية ضد "قسد"، وفق مصادر تركية مطلعة.

وفي هذا السياق، قال الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور مهند حافظ أوغلو، في حديثه لـِ "المدن": "تركيا لا تناقش عودة أفراد من حزب العمال الكردستاني (PKK) إلا بشروط صارمة: أن يكون سجلهم نظيفاً (غير متورطين في عنف)، وألا يكونوا من القيادات، لكن الأهم هو شرط إنهاء الحزب ككل: تفكيكه، وتسليم سلاحه بالكامل (حتى في العراق)، وخروج قياداته من المنطقة (إلى إيران أو أوروبا، لا إلى تركيا أو شمال العراق)".

ولفت إلى أن: "هذا الملف مرتبط مباشرة بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الذراع السوري لـِ PKK، التي تُعتبر الطرف الأقوى مسلّحاً في الجزيرة السورية؛ إذ إن أنقرة تطالب بحلّها تماماً، ولا ترى فرقاً بينها وبين الحزب الأم".

وتابع: "إذا لم تُظهر قسد التزاماً واضحاً بإلقاء السلاح، وبموافقة صريحة من قيادات PKK (مثل رسالة من أوجلان)، فإن الخيار العسكري حتمي، وقريب جداً (خلال أسابيع، لا أشهر)، وبالتالي، فإن الوضع في شمال شرق سوريا يتجه نحو تصعيد أمني وشيك، ما لم يُحقَّق تقدم حاسم في المفاوضات الداخلية التركية (البرلمان، الدفاع، الاستخبارات)، مع ضغط إقليمي متزايد (من العراق، وإيران، وأوروبا)؛ أي ببساطة: إما حل شامل لـِ PKK وقسد، أو حرب قريبة لا هوادة فيها".

 

مستقبل الوجود الكردي

ويرى مراقبون، أن ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد محادثات تكتيكية؛ بل قد يكون مقدمة لترتيبات إقليمية جديدة، تعيد تعريف ملامح الصراع الكردي التركي، وتدفع بظلالها مباشرةً على مستقبل الوجود الكردي المسلح في سوريا.
من جهته، قال عضو المجلس الوطني الكردي، شلال كدو في حديث لـِ "المدن": "أعتقد بأن الظروف المحيطة بالمنطقة على نحوٍ عام، وكذلك التطورات التي حصلت في الدول المجاورة لتركيا، ولا سيما حرب غزة، وكذلك حرب لبنان، حرب ضد حزب الله، إضافةً إلى سقوط نظام بشار الأسد البائد، كل هذه التطورات الدراماتيكية المتلاحقة دفعت بتركيا إلى إعادة النظر في موقفها، وفي تعاطيها مع الشأن الكردي، سواء كان في تركيا أو حتى في سوريا أيضاً".

وأضاف: "مما لا شك فيه بأن هذه العملية، إن نجحت، سوف تنعكس إيجابياً على الوضع في سوريا، ولا سيما على الوضع في شمال شرق البلاد، وملف قسد تحديداً، فالآن هناك تعاطٍ تركي آخر، كما هو ملاحظ، مع مناطق شمال شرق البلاد، المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وأعتقد أن نجاح عملية السلام التي أطلقها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، المسجون في جزيرة إمرالي في بورصة منذ حوالي ربع قرن، هذه العملية، إن نجحت، من شأنها أن تنعكس إيجابياً على الوضع في سوريا برمتها، ومن شأنها أيضاً أن تساهم في نجاح الحوارات بين قوات قسد والحكومة السورية، أو حتى بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية".

 

عمليات عسكرية 

وفي رد على سؤال حول احتمالية تراجع الدعم التركي لعمليات عسكرية ضد "قسد"، وهل سيتأثر نفوذ PKK شمال شرقي سوريا؟ أجاب كدو: "منذ شهور طويلة لا توجد هناك أيّة عمليات عسكرية ضد قسد، والخطاب السياسي التركي، وكذلك الإعلامي التركي الرسمي، هدأ إلى حد كبير؛ أي نحن نرى بأن تركيا لم تعد تهاجم قسد إعلامياً كما كان في السابق".

وأضاف: "أما بالنسبة للعمليات العسكرية، فأعتقد أنها أصبحت من الماضي، ولا سيما أن عملية السلام التي تحدثنا عنها قبل قليل تتجه قدماً نحو الأمام، وبالتالي، أنا أعتقد أنه لا يوجد أي أفق للعمليات العسكرية أو لإشعالها، فتركيا من الآن فصاعداً، كما يبدو، تتعامل بعقلية جديدة مع قسد، وكذلك مع حزب العمال الكردستاني المنحل، ومع بقايا هذا الحزب ومقاتليه أيضاً، حينما نرى بأن تركيا تستعد لإصدار قانون أو قوانين عديدة من البرلمان بشأن هؤلاء المقاتلين، يعني الذين كانوا يرابطون في الجبال ويحاربون الدولة التركية أو الجيش التركي منذ سنوات طويلة".

ولفت إلى أنه "في حال ألقى العمال الكردستاني السلاح فلن يبقى له أثر في سوريا، وسوف ينعدم تأثير هذا الحزب، وبالتالي سوف لن يكون له أي ارتدادات أو أي تأثير في سوريا أو لدى قوات سوريا الديمقراطية، وهذه العملية، كما نعلم، هي عملية شاملة، وسوف تشمل مقاتلي أو مؤيدي حزب العمال الكردستاني، سواء كانوا في تركيا أو المتواجدين منهم في سوريا أيضاً".

 

هاجس مهم

يبقى السؤال الأصعب: هل سيستجيب حزب العمال الكردستاني فعلاً لدعوات قيادته السياسية بإلقاء السلاح والانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة؟ 
يقول المحلل السياسي مالك عبيد في حديثه لـِ "المدن": "تشكل القضية الكردية هاجساً مهماً لتركيا، حيث امتد الصراع مع الأحزاب الكردية المسلحة، مثل PKK و PYD، على مدار أربعة عقود من الزمن، وطال أمد الحروب حتى توقفت العمليات العسكرية ضد تركيا بعد إلقاء عبدالله أوجلان خطاباً دعا فيه إلى إلقاء السلاح ووقف العمليات العسكرية ضد تركيا والتوجه نحو النضال الديمقراطي".

وأضاف: "لكن هذا الأمر لا ينسحب على قوات قسد التي تتمركز في شمال شرق سوريا، والتي لم تستسلم للحكومة المركزية في دمشق، وهي تشكل خطراً حقيقياً، كون قوات قسد يوجد فيها فلول النظام وPKK وPYD، إضافةً إلى قوات من جبال قنديل وقوات كردية من إيران، وما لم يُنهَ وجود هذه القوات في سوريا، فلا يمكن أن تستقر الأمور في تركيا". 

واعتبر أن: "عناصر حزب العمال الكردستاني لا يمكن أن تستسلم بهذه السهولة، لأنها تحمل أفكاراً يسارية وقومية تحلم بدولة كردستان وبمشروع روج آفا، وبالتالي، لا بُدّ من وجود تفاهمات دولية تؤدي إلى دمج قوات قسد بالحكومة المركزية في دمشق، وهو ما يشكّل عامل اطمئنان لتركيا ويضمن عدم وجود تهديد لها في المستقبل، ولذا، لا بُدّ من إجراء مفاوضات دولية وإقليمية تفضي إلى حل نهائي لهذه القضية المستعصية، يضمن الأمن القومي لتركيا وسوريا والعراق".

ووسط كل ذلك، ينظر مراقبون إلى هذا التحول التركي على أنه تحولٌ لا يخلو من مخاطر داخلية وانقسامات محتملة داخل PKK نفسه، ففي الوقت الذي تُعبر فيه القيادة السياسية عن انفتاح على "مرحلة جديدة"، تبقى الأجنحة العسكرية والفكرية داخل الحزب مترددة، أو حتى معادية لهذه الخطوة. 

في المقابل، فإن ما يدفع تركيا اليوم إلى هذا الخيار، بعد عقد من التصعيد العسكري والخطاب الأمني الصارم، ليس فقط تكلفة الصراع الممتدة على الزمن؛ بل أيضاً تغيرات في البيئة السياسية والاقتصادية الداخلية، فثمة إدراك متزايد في دوائر القرار بأن الملف الكردي لم يعد قابلاً للحسم عسكرياً فقط، وأن استمراره كجرح مفتوح يُثقل كاهل الدولة، ويُضعف قدرتها على الاستجابة لتحديات إقليمية ملحة، من سوريا إلى العراق، مروراً بعلاقاتها المضطربة مع واشنطن وطهران.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث