منذ مطلع شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، تعيش باماكو عاصمة مالي حالة حصار خانق فرضتها، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة، من دون أن تتمكن من دخول المدينة فعلياً. الحصار الذي يتركز على شل طرق الإمداد الرئيسة، خصوصاً خطوط الوقود القادمة من ساحل العاج والسنغال، حوّل العاصمة إلى فضاء متوتر تعاني فيه الأسواق من النقص الحاد، والمستشفيات من انقطاع الكهرباء، والمدارس من الإغلاق المؤقت.
تستهدف الجماعة أساساً إضعاف الدولة من الداخل عبر إنهاك البنية الاقتصادية والمجتمعية بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة. وقد حذرت الأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الإنسانية مع ارتفاع عدد المحتاجين إلى المساعدة إلى أكثر من 6 ملايين شخص، وسط انعدام الأمن الغذائي وازدياد حالات النزوح الداخلي. أما السفارة الأميركية في باماكو فنبهت مواطنيها إلى تدهور القدرة على التنبؤ بالوضع الأمني، مع استمرار الهجمات في محيط العاصمة وتضاؤل الموارد الحيوية.
الحكومة العسكرية المالية والمدعومة من موسكو، التي تولت السلطة منذ العام 2021، تبدو في مواجهة مزدوجة، صراع مفتوح مع المجموعات الجهادية في الأطراف، وأزمة شرعية متصاعدة في الداخل، حيث بدأ الغضب الشعبي يزداد من تدهور الخدمات وارتفاع الأسعار وانقطاع الوقود.
ساحل مضطرب حدود تشتعل وتحالفات تتبدل
لم تقتصر تداعيات الحصار على مالي وحدها. فطرق التجارة والوقود التي تربط باماكو بجيرانها تحوّلت إلى أهداف للهجمات والابتزاز، وهذا ما رفع المخاوف من تمدد حزام العنف جنوباً وغرباً في ساحل العاج، تتصاعد الضغوط على الخدمات الاجتماعية نتيجة تدفق الفارين من المناطق الشمالية، في حين واجهت بوركينا فاسو اضطراراً إلى إعادة نشر وحدات عسكرية نحو الجنوب الغربي، على حساب معركتها المفتوحة في الشمال من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي يبدو أنها تسيطر على نحو 40 في المئة من منطقة الجنوب.
أما غينيا، التي تشترك بحدود جبلية وغابات كثيفة مع مالي، فاختارت مراقبة الوضع بحذر، خشية تحول أراضيها إلى معبر للمسلحين أو مركز لتهريب الموارد نحو مالي. هذه التطورات تضع مجموعة دول غرب أفريقيا (ECOWAS) أمام تحدي صياغة رد جماعي فعّال، في الوقت الذي لا تزال فيه مالي خارج المنظومة بعد انسحابها مطلع العام مع بوركينا فاسو والنيجر لتأسيس كونفدرالية "دول الساحل" (AES)، التي أعلنت نيتها إنشاء قوة مشتركة قوامها خمسة آلاف جندي، لكنها لم تترجم حتى الآن إلى تأثير ميداني ملموس.
على الأرض، تبدو الحدود بين الأمن والاقتصاد أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فالمخاطر لا تأتي فقط من الهجمات الإرهابية؛ بل أيضاً من شلل الإمدادات، وهو ما يهدد بإشعال دوامة تضخم وانفلات في حركة السلع، ويزيد هشاشة الاقتصادات المتصلة بباماكو.
من يملأ فراغ النفوذ في قلب الساحل؟
تتعامل الولايات المتحدة مع الوضع بمنطق الاحتواء الذكي؛ إذ تركّز على مراقبة الحدود وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدعم قدرات دول الجوار أمنياً وإنسانياً لمنع تحوّل مالي إلى قاعدة مفتوحة للجماعات الإرهابية العابرة للحدود. في المقابل، أنهت فرنسا وجودها الميداني في مالي بعد أن توترت علاقاتها مع المجلس العسكري في باماكو، مكتفية بأدوار استخبارية محدودة وبالتنسيق مع الشركاء الإقليميين.
في الجهة الأخرى، تواصل روسيا تثبيت حضورها عبر مستشارين وشركات أمنية خاصة تدعم القوات المسلحة المالية، مقابل امتيازات اقتصادية وتعدينية. هذا التوجه يثير قلق العواصم الغربية التي ترى في السلوك الروسي محاولة لتحويل الساحل إلى ساحة نفوذ جديدة. أما الصين، فاختارت مقاربة أكثر براغماتية، فركّزت على تمويل المساعدات الإنسانية والدعم التنموي للدول المضيفة للاجئين، بهدف حماية استثماراتها في البنية التحتية والمعادن، بعيداً عن التدخل العسكري المباشر.
باماكو على مفترق الطريق
ما سيجري في مالي غداً ليس "سقوطاً" لعاصمة؛ بل تحوّلاً في شكل الصراع من المواجهة العسكرية إلى الحرب الاقتصادية والنفسية. تحاول الجماعة الجهادية خنق الدولة عبر مفاصل حياتها اليومية، في حين تسعى الحكومة إلى الحفاظ على حد أدنى من السيطرة والخدمات لتجنّب الانفجار الاجتماعي.
إن مستقبل باماكو، وربما مستقبل الساحل كله، سيتحدد بقدرة الإقليم على التكيف مع هذا النمط الجديد من التهديد. فالحل لا يمر فقط عبر السلاح؛ بل عبر ممرات إنسانية وتجارية آمنة، وتعزيز التعاون الأمني بين دول الجوار، وإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
في غياب ذلك، ستبقى باماكو عاصمةً تختنق ولا تسقط، ترمز إلى حقبة جديدة من الصراعات في إفريقيا، حيث لم يعد الغزو المسلح وحده ما يغير الخرائط؛ بل أيضاً الحصار والاختناق الاقتصادي والإعلامي الذي يطيح بهيبة الدول من دون أن يقتحم حدودها.
