سجن راكفت السري.. وجه فظيع لعذابات الأسرى الفلسطينيين

المدن - عرب وعالمالسبت 2025/11/08
Image-1762616843
سجن مغلق منذ 1985 يُعاد فتحه: عقيدة عقابية جديدة ضد الفلسطينيين (الغارديان)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في تقرير موسع، أن إسرائيل أعادت تشغيل سجن سري تحت الأرض يُدعى "راكفت"، لاحتجاز عشرات الفلسطينيين من قطاع غزة في ظروف استثنائية "قاسية ومهينة" تتوافق مع أنماط تعذيب موثقة في مراكز اعتقال إسرائيلية أخرى. ويُعزل المعتقلون كلياً عن ضوء الشمس لأشهر، ويُحرمون من الغذاء الكافي، والاتصال بالعالم الخارجي أو بمحامين بصورة سرية، وتُحرمهم السلطات من الغذاء الكافي ومن أي وسيلة لمعرفة ما يجري خارج الزنازين أو الاطمئنان على عائلاتهم.

 

اعتقال بلا محاكمة

وبحسب معلومات حصلت عليها "الغارديان" ومحامون في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل "PCATI"، تحتجز السلطات الإسرائيلية في "راكفت" مدنيين من غزة من دون توجيه أي تهم أو عرض ملفاتهم على محاكمة عادلة. من بين هؤلاء ممرض اعتُقل من داخل مكان عمله في أحد مستشفيات غزة في كانون الأول/ديسمبر 2023، وشاب يبلغ 18 عاماً يعمل بائع طعام، اعتُقل في تشرين الأول/أكتوبر 2024 عند حاجز إسرائيلي.

وقالت المحامية جنان عبدو، التي زارت السجن مع زميلتها سجا المشرقي برانسي، إن الشاب قال لها لدى رؤيتهما: "أنتم أول أشخاص أراهم منذ اعتقالي"، قبل أن يسأل بقلق عن زوجته الحامل، لكن الحراس قاطعوه فوراً وهددوا بإنهاء اللقاء، في مؤشر واضح على منع أي حديث يتعلق بالعائلة أو غزة.

وأفادت "PCATI" بأن الشاب أُفرج عنه لاحقاً ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بينما لا يزال الممرض رهن الاعتقال في "راكفت" دون محاكمة، ودون أن يرى الشمس منذ نقله إلى السجن في 21 كانون الثاني/يناير 2025.

 

ظروف احتجاز "مدروسة للإذلال"

وتُظهر وثائق رسمية حصلت عليها "PCATI" أن السجن، الذي كان مصمماً لاستيعاب 15 شخصاً فقط، بات يضم نحو 100 معتقل فلسطيني خلال الشهور الأخيرة. وتقع الزنازين والممرات وغرفة المحامين وساحة "الفسحة" الصغيرة تحت الأرض بالكامل، ما تسبب في آثار جسدية ونفسية خطيرة، بينها اضطرابات النوم، ضيق التنفس، نقص فيتامين "د"، وتآكل الإدراك الزمني والشعور المستمر بالاختناق.

وبحسب شهادات نقلها المحامون، يتعرض المعتقلون للضرب المتكرر، واعتداءات من كلاب حراسة بكمّامات حديدية، وحرمان من الرعاية الطبية الأساسية. كما يُطبق نظام تجويع يومي يشمل سحب الفُرش عند الرابعة فجراً حتى ساعات الليل، فيمضي المعتقلون معظم النهار على أسرّة حديدية عارية.

وأشارت المحاميتان إلى أن غرفة اللقاء مع المعتقلين تضم كاميرات مراقبة، ما ينتهك الحق القانوني في سرية الاستشارة، بينما بدا المرحاض الملحق بالغرفة غير صالح للاستخدام. ورغم ذلك، يخضع المعتقلون لجلسات تمديد احتجاز قصيرة عبر الفيديو دون حضور محامين بصورة فعّالة أو اطلاعهم على التهم، ويكتفي القضاة ـ بحسب الصحيفة ـ بتجديد الاعتقال "حتى انتهاء الحرب"، دون تحديد سقف زمني.

 

إفراج محدود واحتجاز مستمر

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أفرجت إسرائيل عن 250 سجيناً فلسطينياً صدرت بحقهم أحكام، وعن نحو ألف و700 معتقل من غزة احتُجزوا دون محاكمة. لكن، رغم هذا الإفراج، قالت "الغارديان" إن ما لا يقل عن ألف معتقل آخر من غزة ما زالوا قيد الاحتجاز في منشآت إسرائيلية، بينهم الممرض المحتجز في "راكفت".

ورفضت مصلحة السجون الإسرائيلية توضيح وضعية المحتجزين أو هويتهم، مكتفية بالقول إنها "تعمل وفق القانون وتحت رقابة الجهات المختصة". أما وزارة العدل، فأحالت استفسارات الصحيفة إلى الجيش الذي أعادها بدوره إلى المصلحة، دون تقديم أي توضيحات.

 

راكفت: رمز للدفن تحت الأرض

وأُنشئ "راكفت" مطلع الثمانينيات كمنشأة تجريبية لعزل أخطر المجرمين داخل إسرائيل في بيئة خالية من الضوء والاتصال بالعالم الخارجي. كان الهدف تقليص نفوذ "زعماء الجريمة" داخل السجون. غير أن التجربة أثارت اعتراضات داخلية، إذ خلص رئيس مصلحة السجون آنذاك، رفائيل سوسا، في منتصف الثمانينيات، إلى أن الاحتجاز تحت الأرض "قاسٍ ويفتقر لأي مبرر إنساني مهما كانت خطورة الجرم"، ليتم إغلاق السجن عام 1985.

وظل "راكفت" طي النسيان لأربعة عقود، ولم يكن معروفاً حتى لحقوقيين مخضرمين. إذ قالت تال شتاينر، المديرة التنفيذية لـ"PCATI"، إنها رغم زيارتها لسجون مجمّع "رامله" لسنوات "لم تكن تسمع بوجود منشأة تحت الأرض بهذا الشكل" قبل إعادة تشغيلها.

 

تحوّل في العقيدة العقابية

وجاءت إعادة تشغيل "راكفت" على وقع تحوّل واضح في سياسة الاحتجاز الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر. فقد روّج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير لخطاب "تشديد ظروف اعتقال الفلسطينيين" باعتباره جزءاً من الردع. وكان قد قال في تصريحات متلفزة إنه سيجعل السجون "أقل راحة" للمعتقلين الفلسطينيين، فيما اعتبر حقوقيون أن هذا التحوّل يحوّل السجون من مؤسسة قضائية إلى أداة عقابية جماعية.

وفي بيان للجنة "PCATI"، أكدّت أن معاملة المعتقلين الفلسطينيين بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر "لم تعد خرقاً فردياً للقانون، بل سياسة معتمدة"، مشيرة إلى توثيق "انتهاكات ترقى إلى التعذيب والمعاملة اللاإنسانية". كما وثّقت منظمة "بتسيلم" أن القرارات المتعلقة بالسجون "نقلت المنظومة من مسار قانوني إلى مسار انتقامي"، عبر فرض إجراءات تهدف إلى "الإذلال الممنهج" لا "الردع الأمني".

 

نموذج قابل للتكرار؟

ويرى حقوقيون أن إعادة فتح منشأة تحت الأرض كانت قد أُغلقت لعدم إنسانيتها، وتخصيصها لمعتقلين فلسطينيين دون محاكمة، يحمل دلالة تتجاوز الجانب الأمني إلى بُعد رمزي وسياسي. فالمعتقل الفلسطيني في "راكفت" يُدفن حرفياً تحت الأرض، خارج الضوء والزمن والقانون، في تجسيد لسياسة عقابية هوّياتية لا تستهدف أفراداً بسبب مخالفات، بل فئة بشرية بأكملها.

وبينما يظل مصير المئات من المحتجزين من دون محاكمة غامضاً، تتزايد المخاوف من أن يتحول "راكفت" من حالة استثنائية إلى سابقة قد تتكرر في كل مواجهة مقبلة، في ظل غياب رقابة دولية فعّالة، وصمت مؤسسات رسمية إسرائيلية عن حقيقة ما يدور في هذا "السجن تحت الأرض".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث