تنفيذ مطالب إسرائيل أولوية واشنطن قبل تحقيق أي مطلب عربي؟

ناصر زيدانالسبت 2025/11/08
بنيامين نتنياهو دونالد ترامب في الكنيست (Getty)
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست الشهر الماضي (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُظهر تطورات ما بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزَّة، وما سبقه من تسويات غير مكتملة في لبنان وسوريا؛ أن الولايات المتحدة الأميركية تضغط بكل قوة لتحقيق المطالب الإسرائيلية، قبل إعطاء الطرف العربي على تنوعه أي تقديمات، بالرغم من أن إسرائيل ما زالت متفلِّتة من قيود التوافقات، وتمارس عدواناً يومياً على الفلسطينيين وعلى اللبنانيين وعلى سوريا.

أنجزت لجنة متابعة تنفيذ اتفاق غزة الذي أُعلن في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي مُجمل ما يخصّ إسرائيل، لناحية إعادة الأسرى الأحياء جميعهم، وغالبية جثامين القتلى منهم، ولم تُنفِذ إسرائيل معظم التزاماتها، وأبقت على قواتها في أكثر من نصف أراضي القطاع، ولم تسمح بإدخال المواد التموينية ومواد الطاقة والتجهيزات إلا بما يقل عن 30 في المئة من الكميات المتفق عليها. وهي كانت قد حصلت على جُلَّ ما تريده من لبنان بعد تفاهم 27/11/2024، ولم يحصل أي انتهاك لوقف النار من الجانب اللبناني باتجاه إسرائيل، لكن قواتها ما زالت تحتل 5 مواقع في الجنوب، وطائراتها تعتدي يومياً على المواطنين اللبنانيين وعلى ممتلكاتهم، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش اللبناني عن إنجاز 95 بالمئة من عمليات سحب السلاح غير الشرعي جنوب نهر الليطاني، وهناك خطة مرقومة لاستكمال العملية على كامل الأراضي اللبنانية. أما في سوريا؛ فالاعتداءات الإسرائيلية مستمرّة، ودخلت قوات الاحتلال إلى مناطق جديدة في جنوب البلاد، وهي تُثير القلاقل في أكثر من محافظة.

 

اختلال بالالتزامات

لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية التي تدعم إسرائيل بعملياتها العسكرية، وهي تشرف بمفردها على كل تفاصيل التفاوض والتسويات في المنطقة؛ أن تتجاهل الاختلال القائم، وهي تُسيء لسمعتها الدولية عندما تبالغ في الضغط على الأطراف العربية لتلبية شروط إسرائيل، في حين لا تمارس الدور نفسه مع القوة التي تمارس العدوان، وتحتل أراضي الغير. في الوقت الذي أقصت فيه واشنطن الأمم المتحدة والشركاء الدوليين عن أي رعاية للمساعي السلمية الجارية، علماً أن شراكة هؤلاء بمنزلة التقليد الذي كان قائماً في السنوات الماضية، حيث إن الشرق الأوسط من أهم مناطق العالم، ولغالبية الدول الكبرى مصالح استراتيجية فيه.

اعتقاد واشنطن أنها تستطيع النفاذ من الإجماع العالمي على إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب إسرائيل؛ تقديرٌ خاطئ، وتنفيذ حلّ الدولتين الذي أقرّته قمة بيروت العربية للعام 2002، ثابت لا يمكن تجاوزه مهما طال الزمن، وقد أيّدته أكثر من 160 دولة عضوة في الأمم المتحدة. 

 

الضفة وسوريا ولبنان

أما الحلول الجزئية التي تقترحها واشنطن لمستقبل قطاع غزَّة؛ فلا يمكن أن تؤدي الغرض المطلوب، إذا لم تكُن هذه الحلول في سياق خطة لتسليم السلطة الفلسطينية إدارة القطاع مع الأراضي الفلسطينية الأخرى. والإدارة الأميركية بوصفها راعية لمسيرة الحلّ، مطالبة بالضغط على إسرائيل لوقف عمليات الاستيطان الجديدة على الأراضي الفلسطينية، وإعادة الحقوق المُغتصبة لهم.

أما في الملف اللبناني؛ فمبعوثي الإدارة الأميركية ينقلون الإملاءات الإسرائيلية للقيادة اللبنانية، من دون ممارسة أي ضغط على تل أبيب، بالرغم من تبني الحكومة اللبنانية لمندرجات الاتفاق الذي أُعلن في 27/11/2024، بما في ذلك الالتزام بحصر السلاح بالقوى النظامية، وهو ما يُنفّذ وفق الخطة المرحلية التي وضعها الجيش، والتي تراعي عوامل الاستقرار الداخلي، إضافة للإصرار على تنفيذ المهمة.

وفي سوريا تتعامل إسرائيل بذات الوتيرة؛ أي كأنها انتصرت في حرب عليها، كما حصل في غزة وفي جنوب لبنان، بالرغم من أن الإدارة السورية الحالية ليست معادية لها، وتخوض مفاوضات علنية مع تل أبيب، ولا تضمر لها أي عداء وفق ما صرَّح به الرئيس أحمد الشرع. وإسرائيل تتجاوز اتفاقية الهدنة للعام 1974، وتتوسَّع في احتلال مناطق في الجنوب، وتدعم فصائل متمرِّدة، والحكومة السورية فشلت في "ضبضبة" الوضع الداخلي، كما أخفقت في القيام بواجب حماية مكونات أساسية من الشعب السوري، وتركتهم مكشوفين أما مجموعات إرهابية مما سمح لإسرائيل بثّ سمومها على الساحة في أكثر من مكان.

 

امتعاض من سياسة واشنطن

الأميركيون الذين يتحضرون لإنشاء قاعدة عسكرية جنوب دمشق، بهدف ضمان تطبيق الشروط الإسرائيلية بالدرجة الأولى؛ لم يكلفوا أنفسهم الرد بالمثل على أي من المبادرات العربية تجاههم، وأصدقاء واشنطن في المنطقة العربية، يشعرون بالخيبة من جراء تجاهل الرئيس دونالد ترامب للتوافق العارم حول إنشاء دولة فلسطينية تتمتع باستقلال كامل، بالرغم من أنه بذل جهوداً لوقف إطلاق النار في غزة، وجمع قادة أساسيين من المنطقة ومن العالم في حفل توقيع الاتفاق في مدينة شرم الشيخ المصرية.

تتصرف إسرائيل كأنها انتصرت على الجميع في المنطقة، بالرغم من أن الغالبية لم تدخل بحرب معها، وواشنطن تمارس سياسة الصيف والشتاء تحت سقفٍ واحد، تتبنى مطالب إسرائيل، وتتجاهل غالبية المطالب العربية. وهذه المقاربة التي تستند الى أخذ كل شيء وعدم تقديم أي شيء للطرف الآخر؛ تزيد الامتعاض من سياسة واشنطن ولا تساعد على الاستقرار، ولا تُحقِّق سلاماً عادلاً.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث