إسرائيل تُعيد تشكيل الضفة الغربية: مصادرة أراضٍ واستيطان

المدن - عرب وعالمالسبت 2025/11/08
 مستوطنات الضفة(getty).jpg
إسرائيل ترفع مخططات الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتسارع وتيرة المصادقات على مخططات البناء والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، خصوصاً بعد أن صادقت الاحتلال في نهاية آب/أغسطس الماضي على مشروع البناء في "E1"، الذي يُعدّ الأخطر من نوعه منذ عقود. 
جاء ذلك، في "تقرير الاستيطان الأسبوعي" للفترة الممتدة من 2025.11.1 إلى 2025.11.7، الصادر عن "المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان".


سموتريتش يروّج لمخططات استيطانية
ووفقاً للتقرير، تتزامن سياسات الاحتلال مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية نهاية العام المقبل، أو قبل ذلك إذا ما تم تقديم موعد الانتخابات، حيث يتسابق أعضاء الحكومة وفي مقدمتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش للترويج لمخططات استيطانية جديدة، مستغلاً منصبه الحالي لتكثيف الاستيطان ومصادرة ونهب الأراضي في الضفة الغربية، ما دفع صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى القول إن وزير المالية، "حطم الأرقام القياسية في قرارات البناء في المستوطنات وفي إعلان أراضٍ في الضفة الغربية كأراضي دولة"، وهذا وصف دقيق لسياسة سموتريتش، الذي بات يسيطر على كل ما يتصل بالنشاط الاستيطاني الاستعماري في الضفة الغربية. فمنذ تشكيل حكومة نتنياهو تم الإعلان عن 25,960 دونماً كأراضي دولة. ولإدراك مدى خطورة هذا الأمر، تم خلال السنوات السبع والعشرين الماضية إعلان 28,000 دونم فقط.
وقال التقرير إنه وفقاً للصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها قال وزير المالية الأسبوع الماضي إنه ستتم المصادقة على بناء ما يقارب 1,973 وحدة استيطانية بالضفة الغربية في إطار موجة البناء التي أطلقها منذ توليه منصبه، حيث نشرت إدارة التخطيط في الإدارة المدنية والمجلس الأعلى للتخطيط في الضفة جدول أعمال اجتماعهما القادم، والذي من المتوقع أن تتم خلاله الموافقة على الخطط الجديدة.
ومن بين المشاريع المتوقع الموافقة عليها: 133 وحدة سكنية في تفوح غرب (إلى الجنوب من مدينة نابلس)، و720 وحدة في أفني حيفتس (محاذية لمدينة طولكرم من الجهة الشرقية)، و568 وحدة في عيناف (في محافظة طولكرم)، ونحو 178 وحدة سكنية في غاني موديعين (في محافظة رام الله والبيرة)، ونحو 246 وحدة في روش تسوريم (على أراضي قرية نحالين في محافظة بيت لحم)، ونحو 128 وحدة في عيتس إفرايم (على أراضي قرية مسحة في محافظة سلفيت).
في الوقت نفسه صادق مجلس التخطيط الأعلى، نهاية تشرين الأول الماضي، على خطة لبناء 1,300 وحدة سكنية استيطانية جديدة في تجمع "غوش عتصيون" الاستيطاني جنوب مدينة القدس. ووفقاً لما نقلت "القناة 14" العبرية، ستُقام هذه الوحدات في حي "الجبل الروسي" جنوب مستوطنة "ألون شفوت"، إلى جانب مدارس ومبانٍ عامة وحدائق، إضافة إلى منطقة تجارية واسعة يُتوقع أن تخدم المستوطنات المجاورة، ما يجعلها أكبر خطة عمرانية في المنطقة منذ فترة. كما أعطت سلطات الاحتلال الضوء الأخضر رسميًا لخطة "E1" الاستيطانية، التي تربط القدس بمستوطنة "معاليه أدوميم"، وتقطع التواصل الجغرافي في الضفة الغربية من الشمال إلى الجنوب، في خطوة تعبّر عن تحول استراتيجي في خارطة الاستيطان. وتشمل الخطة بناء نحو 3,400 وحدة سكنية، في منطقة كانت محل وعود سياسية متكررة منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أكد أريئيل شارون في 1990 على أهميتها لخلق استمرارية يهودية وربط القدس بـ"معاليه أدوميم"، فيما أعلن لاحقًا كل من إيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو نواياهما للبناء، لكن الخطط بقيت حبيسة الورق نتيجة ضغوط دولية وسياسية.


تحوّل جذري
وأضاف التقرير أنه منذ السابع من تشرين الأول 2023، الذي شكّل تحوّلاً جذرياً في المشهدين السياسي والأمني، بات المستوطنون ينظرون إلى ما تلا ذلك باعتباره فرصة تاريخية. فقد استُخدم ذلك التاريخ وما تبعه من تطورات وحرب وحشية على قطاع غزة كمنصة انطلاق للهجوم على القرى والبلدات الفلسطينية، والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي تحت ذريعة "الأمن" و"الحماية". فتصاعدت وتيرة الاستيطان والمصادرات والهجمات إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح تلك الحرب ذريعة مثالية لتكريس واقع جديد على الأرض. وقد سجّل العام 2024 ارتفاعاً قياسياً في خطط الاستيطان، حيث تم الدفع بـ28,872 وحدة استيطانية في مراحل التخطيط والمناقصات، إضافة إلى إعلان أكثر من 24 ألف دونم كـ"أراضي دولة"، وهو ما يمثل نصف مجمل الأراضي التي صودرت بهذه الصيغة منذ اتفاق أوسلو. أما في العام الجاري 2025، فقد واصل الاستيطان قفزاته، حيث تجاوزت الخطط المصادق عليها 21 ألف وحدة خلال أشهر معدودة فقط، بفضل اجتماعات أسبوعية لمجلس التخطيط الأعلى.
ولم يقتصر الأمر على مشاريع البناء في المستوطنات، بل رافق ذلك مصادرات واسعة للأراضي الفلسطينية. ففي آذار 2024 أعلنت إسرائيل الاستيلاء على 8,000 دونم بالأغوار، تلتها مصادرة 12,700 دونم في تموز من العام نفسه في أكبر عملية استيلاء منذ 30 عاماً. هذه الإجراءات، وفق جميع التقديرات، تهدف إلى إغلاق المساحات الحيوية أمام الفلسطينيين وتهيئة الأرض لخطط استيطانية مستقبلية. وقد ترافق ذلك أيضاً مع تواطؤ واضح لحكومة الاحتلال في نشر وتمويل ما يسمى بالمزارع الرعوية الاستيطانية، حيث كشفت تقارير متطابقة لمنظمات إسرائيلية وفلسطينية وأخرى أوروبية وأممية عن عمق تورط الحكومة الإسرائيلية في تمويل مزارع رعوية ودعم أعمال العنف التي يقوم بها مستوطنون في مناطق مختلفة من الضفة الغربية بهدف ترحيل السكان الفلسطينيين بالقوة. وتكشف تلك التقارير، كما تكشف الوقائع على الأرض كذلك، أنه تم بمساعدة من الحكومة الإسرائيلية إنشاء نحو 150 مزرعة رعوية في السنوات الأخيرة، العشرات منها منذ السابع من تشرين الأول 2023، سيطر المستوطنون من خلالها على مساحة قدرها 786 ألف دونم، أي ما يعادل 14% من أراضي الضفة الغربية.


هجمات ومضايقات
وأوضح التقرير أن الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين لا يتم فقط من خلال وجود هذه المزارع الاستيطانية، بل من خلال ما يتبعها من هجمات ومضايقات وأعمال إرهاب متكررة، أثبتت فعاليتها عند رؤية المنازل ومراكز السكن المدمرة وما رافقها من طرد أكثر من 60 تجمعاً رعوياً فلسطينياً. وبحسب تقرير لمنظمة "يش دين" الإسرائيلية الذي ركّز على مدار عامين على المنطقة الواقعة شرق طريق ألون (الطريق الممتد ما بين شرق رام الله إلى الأغوار)، فإن مساحة تلك المنطقة كانت تبلغ نحو 100 ألف دونم، وكانت تقطن فيها منذ ما يزيد على عامين بقليل سبعة تجمعات فلسطينية يبلغ عدد سكانها نحو ألف نسمة، وقد نجحت 11 مزرعة رعوية استيطانية أُنشئت بالمنطقة في تفكيك هذه المجتمعات ودفعها إلى مغادرة منازلها.
وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أخيراً أن مكتب أوريت ستروك، وزيرة الاستيطان من حزب الصهيونية الدينية، يقوم بتحويل 75 مليون شيكل لتمويل المكوّنات الأمنية لنقاط الاستيطان، وهو الاسم الرمزي للمزارع الاستيطانية، بعد أن رفع سموتريتش ميزانية وزارة الاستيطان التي تقودها الوزيرة المتطرفة من 123 مليوناً إلى 391 مليون شيكل، أي بزيادة قدرها 320%، في وقت عانت فيه ميزانيات التعليم والرعاية الاجتماعية والصحة من تخفيضات كبيرة، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت". كما تموّل وزارة الزراعة الإسرائيلية، تحت بند "منح المراعي"، تلك المزارع الاستيطانية، وخلال الفترة ما بين 2017 حتى 2024، حوّلت ما يقارب 3 ملايين شيكل لهذه المزارع، فيما استثمر الصندوق القومي اليهودي فيها ما يقارب 4.7 ملايين شيكل بتمويل من المتطوعين، بمعنى أن جهات متعددة تقوم بتمويل هذه المزارع الاستيطانية التي تهدف بشكل أساسي إلى تهجير الفلسطينيين من ديارهم. حيث وثّقت الأمم المتحدة تهجير ما يقارب 2,895 فلسطينياً منذ عام 2023 بسبب عنف المستوطنين، بينهم 636 خلال 2025 فقط. كما تصاعدت اعتداءات المستوطنين بشكل قياسي في عام 2024 وعام 2025، حيث شهد موسم قطاف الزيتون أوسع موجة إرهابية ينفذها المستوطنون، في حماية جيش وشرطة الاحتلال، ضد المزارعين الفلسطينيين.


مناقصات استيطانية
وأشار التقرير إلى أنه في سياق موجة الاستيطان الجديدة طرحت سلطات الاحتلال مناقصتين جديدتين لبناء حي استيطاني في مستوطنة "آدم/جفعات بنيامين" شمال شرقي مدينة القدس في سباق محموم لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة تخدم مشروع "القدس الكبرى". تتضمن الأولى بناء 342 وحدة استيطانية موزعة على خمسة مجمعات، فيما تشمل الثانية 14 منزلاً منفصلاً مخصّصاً لجنود الاحتياط في جيش الاحتلال ضمن مخطط أشمل لربط المستوطنة بالبؤرة الاستيطانية "جفعات غور أرييه"، التي أُقيمت في شباط/فبراير الماضي بمحاذاة بلدة جبع. كما نشرت سلطات الاحتلال الأحد الماضي مناقصة إضافية لتخطيط وبناء مجمّع استيطاني جديد في مستوطنة "جبعون الجديدة" شمال غربي القدس، بما يعزّز الطوق الاستيطاني حول العاصمة المحتلة. كما أصدرت سلطات الاحتلال أمرًا عسكريًا جديدًا يقضي بالاستيلاء على أراضٍ فلسطينية في منطقة عناتا تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 5,856 دونمًا، من بينها 5,254 دونمًا صُنِّفت كـ"أراضي دولة"، و602 دونم أملاك خاصة لمواطنين فلسطينيين من البلدة. يُذكر أن 16 ألف دونم من أراضي بلدة عناتا البالغة 34 ألف دونم تصنّفها دولة الاحتلال كأراضي دولة. كما استولت سلطات الاحتلال على نحو 6 دونمات من أراضي المواطنين من البلدة عناتا من خلال "أمر عسكري" تحت مسمى "أوامر وضع يد"، و"الأمر العسكري" الذي حمل الرقم ت/65/25 يهدف إلى إنشاء شارع استيطاني يربط مستعمرة "نفي برات" بشارع رقم 437.


مخطط استيطاني بالخليل
وبحسب التقرير، كشفت بلدية الخليل عن مخطط استيطاني قديم/جديد تسعى السلطات الإسرائيلية لتنفيذه في أرض سوق الخضار المركزي (الحسبة القديمة)، بعد أن أعلنت لجنة التنظيم والبناء في الإدارة المدنية عزمها المضي قدماً فيه لإقامة 63 وحدة سكنية موزعة على عمارتين، بارتفاع 6 طوابق فوق الأرض، وطابقين للكراجات تحت الأرض، إضافة إلى مبنى ثالث مكوَّن من 3 طوابق يضم صفوفاً تعليمية، ومكتبة وكنيساً، وبمساحة إجمالية تُقدَّر بنحو 12,500 متر مربع. وقالت البلدية إن هذا الإعلان "اعتداء صارخ على صلاحياتها، ومخالفة واضحة لمصالح المدينة وسكانها، وانتهاك لمبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يحظر مصادرة الممتلكات الفلسطينية أو استغلالها أو هدمها دون مبرر"، وأنها ستتخذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة للاعتراض على القرار، حفاظًا على حقوق المواطنين، وصونًا للمصلحة العامة للمدينة. وكان رئيس بلدية الخليل تيسير أبو سنينة، المعتقل حاليًا في سجون الاحتلال، قد أكد أن "السوق ملك لبلدية الخليل، وتملك كل الأوراق الخاصة بذلك"، وأن البلدية كانت قد ربحت قضايا رفعتها على سلطات الاحتلال بشأن السوق. وكان السوق يختص ببيع الخضار، قبل أن تغلقه إسرائيل أمام الأهالي عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي التي نفذها المستوطن باروخ غولدشتاين في 25 شباط/فبراير 1994، وأسفرت عن استشهاد 29 شخصاً، وإصابة 125 على الأقل داخل الحرم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث