في خطوة مثيرة للجدل أعادت إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من وزارة الدفاع (البنتاغون) استئناف التجارب النووية بعد انقطاع دام عقوداً، في رسالةٍ واضحة إلى موسكو وبكين بأن واشنطن لن تتردد في استخدام القوة النووية كورقة ضغط استراتيجية. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها بداية لمرحلة جديدة من سباق التسلح، تأتي في وقتٍ تشهد فيه منطقة آسيا–الباسيفيك تصاعداً حاداً في التوترات العسكرية بين القوى الكبرى.
واشنطن، تسعى إلى استعادة زمام المبادرة في منطقة باتت تشهد تمدد النفوذ الصيني والروسي، فهي الآن تعمل على إعادة صياغة مفهوم الردع النووي بما يتناسب مع التحولات التكنولوجية والعسكرية الحديثة. ووفق خبراء الأمن الاستراتيجي، فإن هذه العودة إلى التجارب النووية تهدف إلى تعزيز التفوق الأميركي في مواجهة المنافسين الآسيويين، وفي مقدمتهم الصين وكوريا الشمالية.
خطوة تصعيدية
من الناحية القانونية، فإن قرار الولايات المتحدة بالعودة إلى التجارب النووية يُعدّ خرقاً ضمنياً لروح معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)التي لم تدخل حيّز التنفيذ الكامل بعد، لكنها شكّلت منذ توقيعها في العام 1996 الأساس الأخلاقي والسياسي لوقف التجارب في العالم. وبالرغم من أن واشنطن لم تصادق رسمياً على المعاهدة، إلا أنها التزمت فعلياً بوقف الاختبارات لعقود، وهذا ما يجعل قرار الرئيس ترامب خطوة تصعيدية تهزّ أحد أهم ركائز الأمن النووي الدولي.
أما الأخطر، فهو ما يتعلّق بـِ اتفاقية "ستارت الجديدة" بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي آخر اتفاق قائم للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية، والتي تنتهي في شباط/ فبراير العام المقبل.هذه الاتفاقية قلصت عدد الرؤوس النووية المنشورة لدى كل طرف إلى1,550 رأساً نووياً، وفرضت نظاماً للرقابة والتفتيش المتبادل. ومع اقتراب موعد انتهائها، تُشير المؤشرات إلى أن تمديدها أو التفاوض على بديل جديد يبدو بعيد المنال، خاصة مع تدهور العلاقات بين واشنطن وموسكو، ودخول الصين كعامل ثالث يرفض الانضمام إلى أي ترتيبات ثنائية، على الرغم من المحاولات الأميركية المستمرة، فالإدارة الأميركية ترى أن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل الصين، مبرّرةً ذلك بتزايد قدرات بكين النووية وتحديث ترسانتها بوتيرة غير مسبوقة. غير أن الصين تردّ بأن ترسانتها لا تزال متواضعة مقارنةً بواشنطن وموسكو، وأن ضمّها سيقوّض توازن الردع القائم.
وفي غياب اتفاق جديد، سيُفتح الباب أمام سباق تسلّح نووي غير منضبط، يعيد العالم إلى حقبة ما قبل الحرب الباردة، حيث لا قيود ولا رقابة على تطوير أو نشر الأسلحة النووية الاستراتيجية.
القلق الأميركي من الصين لا ينبع فقط من تزايد عدد الرؤوس النووية؛ بل من التحوّل في عقيدة الردع الصينية، إذ باتت بكين تميل إلى تطوير قدرات "الضربة الثانية" (Second Strike Capability) التي تضمن لها الرد الفوري في حال تعرضها لهجوم نووي. وهذا التحوّل يُربك واشنطن ويقوّض ميزان الردع الذي حكم العلاقات النووية لعقود.
الحصن الأميركي
في قلب هذا السباق المحموم، تتحول جزيرة غوام إلى حجر الزاوية في الاستراتيجية الدفاعية الأميركية بالمحيط الهادئ. فالإدارة الأميركية شرعت في تعزيز منظومات الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات (EAIMD)، وهي شبكة دفاعية مصممة لاعتراض أي هجوم باليستي محتمل من الصين أو كوريا الشمالية.
وتكتسب غوام أهمية مضاعفة باعتبارها قاعدة انطلاق للقوات الأميركية نحو آسيا، ومركز قيادة حيوي للأسطول الأميركي في المحيط الهادئ. وفي ظل تصاعد التهديدات الصاروخية من بيونغ يانغ، تسعى واشنطن لتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية في الجزيرة، تحسباً لأيّة مواجهة قد تندلع في لحظة توتر سياسي أو خطأ في الحسابات العسكرية.
استفزاز نووي
كوريا الشمالية، التي تمثل الذراع الصاروخي لبكين في شرق آسيا، تواصل اختبار حدود الردع الأميركي. وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن قواتها الصاروخية الاستراتيجية تمتلك القدرة على نشر صواريخ "هواسونغ–15" و"هواسونغ–17"، القادرة على حمل رؤوس نووية والوصول إلى الأراضي الأميركية.
ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، تلوّح بيونغ يانغ بإمكانية إجراء تجارب نووية جديدة، في محاولة لتعزيز موقفها التفاوضي واستعادة حضورها على الساحة الدولية. هذه التطورات تتزامن مع تزايد الحديث عن احتمال عقد لقاء ثنائي جديد بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وهو لقاء إن تم، فسيحمل دلالات متناقضة: فمن جهة، قد يُشكّل نافذة دبلوماسية جديدة لخفض التوتر، لكنه من جهة أخرى، قد يتحول إلى ورقة مساومة في سباق التسلح، حيث يسعى كل طرف لانتزاع أكبر قدر من التنازلات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يرى المراقبون أن كوريا الشمالية تستخدم خطاب التصعيد النووي كأداة ضغط سياسية، سواء لانتزاع اعتراف دولي بمكانتها النووية أو للحصول على تنازلات اقتصادية من واشنطن وحلفائها ومطالبتها برفع العقوبات عنها والعودة للمباحثات الثنائية بين البلدين، مع تقديم ضمانات أميركية بعدم الاعتداء عليها أو استهدافها عسكرياً. وهذا ما يفسر أيضاً عدم تخلي بكين عن دعم بيونغ يانغ كورقة نفوذ إقليمي في مواجهة الولايات المتحدة.
صعود الصين
في موازاة ذلك، تمضي الصين في توسيع ترسانتها النووية وتطوير أسلحة فرط صوتية قادرة على اختراق الدرع الأميركي، في إطار سعيها لبناء توازن رعب جديد في المحيطين الهندي والهادئ. بكين تدرك أن واشنطن تحاول تطويقها بشبكة من التحالفات تشمل اليابان والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا، ولذلك تُكثف استثماراتها في القدرات النووية والتكنولوجية والفضائية كجزء من استراتيجية الردع المتكامل.
إن تصاعد سباق التسلح هذا لا يقتصر على السلاح النووي فحسب؛ بل يمتد إلى الفضاء الإلكتروني والذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة الاستراتيجية، وهو ما يضاعف احتمالات الخطأ في التقدير والتصعيد غير المقصود، ويدفع المنطقة نحو ما يشبه "الهاوية النووية" الجديدة.
الأمن الإقليمي
يدرك حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، خصوصاً اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أن التحولات النووية في المنطقة قد تغيّر معادلات الردع التقليدية .فكل تصعيد أميركي يقابله تحرك صيني أو كوري شمالي مضاد، وهذا ما يجعل الأمن الإقليمي رهينة توازنات غير مستقرة. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات إلى إعادة تفعيل المسارات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، خصوصاً في إطار الأمم المتحدة ومنتديات الأمن الآسيوية، لتفادي الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن احتواؤها.
سباق لا غالب فيه
إن استمرار هذا السباق النووي في آسيا–الباسيفيك يحمل في طياته مخاطر استراتيجية على الأمن والسلم الدوليين. فكل تجربة جديدة أو نظام صاروخي متطور يزيد من احتمالات الصدام بين القوى الكبرى. ومع أن جميع الأطراف تدرك أن الحرب النووية ليست في مصلحة أحد، إلا أن استمرار التصعيد يجعل العالم يقترب أكثر فأكثر من حافة الخطر.
إن ما تشهده منطقة آسيا-باسيفيك اليوم ليس مجرد تنافس عسكري؛ بل سباق خطير نحو إعادة تعريف ميزان القوى العالمي. فالتكنولوجيا النووية، التي كانت في الماضي أداة ردع لضمان السلم، باتت تُستخدم كورقة ضغط سياسية واستراتيجية بين القوى الكبرى.
ومع هذا التصعيد، يدرك الجميع أن الحرب النووية لن تكون انتصاراً لأحد، بل تدميراً شاملاً قد يجرّ العالم إلى نقطة اللاعودة. فالقوى العظمى التي تمتلك السلاح النووي قادرة على إفناء بعضها البعض، وتدمير الحضارة الإنسانية بأكملها في غضون ساعات. ولهذا، فإن أي انزلاق غير محسوب في هذا السباق قد يجعل العالم يدفع ثمناً وجودياً باهظاً لا رجعة فيه.
