القنيطرة: من دولة مركزية تحتكر السيادة إلى فاعلين إقليميين

مهيب الرفاعيالجمعة 2025/11/07
الجيش الإسرائيلي في القنيطرة جنوب سوريا (إكس)
القنيطرة تذكير بأن السيادة السورية لم تعد شأناً داخلياً (أكس)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ عقود، شكّلت محافظة القنيطرة أكثر مناطق سوريا حساسية من الناحية الأمنية؛ فالمحافظة الواقعة على تماس مباشر مع الجولان المحتل كانت، منذ اتفاق فصل القوات في العام 1974، منطقة مغلقة تخضع لرقابة عسكرية صارمة، ولم يكن الدخول إليها ممكناً من دون تصريح أمني من فرع سعسع، وهو فرع الأمن العسكري رقم 220 الواقع في بلدة سعسع على أوتوستراد دمشق القنيطرة، وأحياناً كان يتطلّب وجود كفيل مدني، أو سند إقامة، أو تصريح عمل، أو نشاط تجاري، أو تسهيل مهمة بالنسبة للموظفين من خارج المحافظة. وسابقاً، كانت قد تحولت القنيطرة القديمة (المدينة المحررة) والمهدمة الشاهدة على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في سوريا إلى منطقة شبه عسكرية، تُمنع فيها الكاميرات والزيارات العشوائية، في انعكاسٍ لسياسة الدولة التي جعلت من مفهوم الأمن شرطاً للوجود المدني في القنيطرة، ومن الجغرافيا أداة للضبط والسيطرة.

 

تقاطع نفوذ إيراني إسرائيلي

خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، ولا سيما بعد اندلاع الثورة في العام 2011، ازدادت القيود الأمنية على المحافظة، حتى أصبحت رمزاً للعلاقة المختلّة بين الدولة والمواطن؛ وفيها علاقة تُدار من خلف الحواجز، لا سيما حاجز مفرق بيت جن وحاجز الطبيبيّة المسؤول عنهما فرع سعسع وحاجز اللواء 90 الموجود على مشارف القنيطرة، وبواسطة التصاريح الأمنية. لم تكن تلك القيود مجرد إجراءات بيروقراطية؛ بل كانت امتداداً لمنطق أمني يعتبر الجنوب السوري خط تماس بين السيادة المعلنة والأمن الفعلي، إذ باتت القنيطرة ساحة اشتباك بين قوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة حينها، لا سيما في المدة بين 2012 و2016 كذروة للعمليات، ثم لاحقاً مسرحاً لتقاطع النفوذ الإيراني والإسرائيلي في ظلّ رقابة مباشرة من قوات الأمم المتحدة UNDOF

 

منطق الأمن فوق السيادة

تمثّل القنيطرة اليوم نموذجاً مصغّراً لما يمكن تسميته بـِ "نظام الأمن فوق السيادة Security over Sovereignty "، حيث لا تُدار المناطق الحدودية بمنطق الدولة؛ بل بمنطق التحكّم الوقائي. تعامل النظام السوري، الذي فقد منذ سنوات قدرته على بسط سلطته الكاملة على الجنوب، مع المحافظة بوصفها هامشاً أمنياً لا مجال فيه للحياة المدنية أو التنمية، فالمؤسسات الرسمية بقيت شكلية، والوجود الحقيقي كان للمخابرات والفروع العسكرية والقصف العشوائي والتدمير الممنهج. ومع انهيار البنية الأمنية المركزية بعد سقوط النظام، وجدت إسرائيل في هذا الفراغ فرصة لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية في الجنوب السوري وفق مصالحها الخاصة؛ والهندسة هذه قائمة على تقطيع أوصال المدينة والقرى عبر الحواجز الاسمنتية، ونقاط التفتيش (الحواجز الثابتة والحواجز الطيّارة) والبوابات والمعابر؛ مع استنساخ نموذج المناطق الملوّنة والخطوط كما في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي بالأساس موجودة في القنيطرة كخطوط أمنية مثل "ألفا" و "برافو". 

البوابة الحديدية التي وضعتها إسرائيل مؤخراً في منطقة الصمدانية جنوب القنيطرة لا تمثل مجرد حاجز عبور؛ بل إعلاناً عن نظام حدودي جديد يقوم على الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية التي يمكن تسميتها "الضبط الموزّع Distributed Control" وهي جزء من الاستراتيجية الأوسع "الضبط والسيطرة Control and Command ؛ فبدلاً من أن تكون الحدود خطاً للفصل، تحوّلت إلى أداة للمراقبة المستمرة وإدارة الحركة اليومية للأهالي عبر قوات تحكم مرتبطة ميدانياً بالقيادة العسكرية الإسرائيلية. بهذا، تتجسد فلسفة الأمن بدلاً من السيادة؛ إذ لم تعد القنيطرة جزءاً من جغرافيا دولة مستقلة، بل منطقة محايدة تُدار عن بُعد، وتُضبط بالتكنولوجيا والحواجز والمعايير الأمنية الإسرائيلية.

هذا التحول ليس منعزلاً عن السياق الإقليمي؛ إذ إنه امتداد لسياسة إسرائيلية تهدف إلى خلق مناطق عازلة مصغّرة على طول خطوط التماس السورية، تحت ذريعة منع تهريب السلاح الإيراني أو تسلل المقاتلين وضبط السلاح، وكقاعدة متقدمة في العمق السوري، وكقاعدة متقدمة أمام أي عمليات من شأنها زعزعة أمن مستوطنات الشمال وقرى الجولان السوري المحتل. لكن في جوهرها، هذه المناطق تُكرّس واقعاً جديداً مفاده أن سوريا ما بعد الدولة. حدودها لم تعد تحددها الجغرافيا بقدر ما تحددها أنظمة المراقبة التي ترسم خطوط النفوذ الفعلي.

 

الفراغ السياسي والأمني

يمكن ترجمة هذه التقسيمات و البوابات على أنها إحلال مادي لفكرة الفراغ السياسي والأمني الذي خلفه انهيار نظام الأسد الأمني؛  فحين تغيب المؤسسات الأمنية و العسكرية في محافظة مهمشة مثل القنيطرة، ومع توغل الجيش الإسرائيلي يومياً عدة مرات وعلى عدة محاور، فإن الحاجز بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي هنا يصبح مستداماً يعبّر عن نظام ما بعد الدولة.
في هذا السياق، لا يعود الحاجز مجرّد وسيلة تفتيش؛ بل يصبح رمزاً لسلطة محلية هجينة، سلطة لا تمتلك شرعية قانونية، لكنها تفرض حضورها عبر القوة والتنظيم والتكنولوجيا والقمع في آن معاً، وتتحول البوابة المعدنية إلى ما يشبه حدّاً سياسياً متحركاً،  يتبدّل موقعه وهدفه تبعاً لموازين القوى على الأرض.

الفراغ نابع هنا من غياب السلطة السورية عن القنيطرة وعدم وجود استراتيجيات ردع؛ إذ أن القوات الإسرائيلية تمارس نوعاً من الإدارة الأمنية اليومية؛ فهي تسجّل الأسماء، تتحكم بالعبور و تضبط ساعات التنقل ونوعية الآلات التي تتحرك، وتضبط الفئات العمرية التي تتحرك، وتراقب الاتصالات والحركة. كل ذلك يجري في ظل تراجع الإدارة السورية واقتصار الوجود الحكومي في القنيطرة على المناخ الإداري والخدماتي فقط، وليس العسكري والأمني. 

يعيش سكان القنيطرة اليوم ضمن معادلةٍ دقيقة بين التكيّف والانتظار؛ فمن جهة، تفرض متطلبات الحياة اليومية القبول بالحواجز كأمر واقع، كوسيلة لعبور المدارس أو الحقول أو المراكز الطبية والخدمية، مع صعوبة خاصة ليلاً؛ ومن جهة أخرى، يبقى في الوعي الجمعي انتظارٌ لتسوية سياسية قد تُعيد للدولة شكلها الطبيعي، ولو شكلياً. لكن هذا الانتظار يتحول مع الزمن إلى ما يشبه زمن المراوحة، حيث لا حرب معلنة ولا سلام مستقر؛ بل حالة هدوءٍ مراقَب تُدار بالحواجز والكاميرات الليلية والقنابل المضيئة والبوابات الحديدية الصفراء.

بهذا المعنى، تصبح البوابة الحديدية خطاباً مادياً يتحدث بلغة الفراغ؛ وتمثل انتقال الجنوب من مرحلة الدولة ذات السيادة إلى مرحلة الوصاية متعددة الأطراف، حيث تُمارس السلطة من الخارج أكثر مما تُنتج من الداخل. يتبدّل هنا المفهوم الكلاسيكي للسيادة، من سيادة على الأرض والسكان إلى سيادة على الممرات والحركة؛ أي إلى سيادة منزوعة الجوهر. ومن هنا، فإن ما يبدو كإجراء أمني، هو في حقيقته هندسة سياسية جديدة، تُدار بها الجغرافيا عبر الحراسة لا عبر الحكم، وتُختصر فيها السياسة إلى إدارة عبورٍ مؤقتة.

 

القنيطرة على طاولة البيت الأبيض

في خضم هذا الواقع الميداني، تبرز زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر كحدث مفصلي في العلاقات السورية-الأميركية والإسرائيلية على حدّ سواء. فهي أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض في التاريخ الحديث، بعد أن التقى ترامب الشرع في السعودية في أيار/ مايو، في أول لقاء بين زعيمي البلدين منذ 25 عاماً، منذ لقاء حافظ الأسد والرئيس الأميركي بيل كلينتون في جنيف في العام 2000؛ حيث لا تزال سوريا تسعى للخروج من عزلة دولية استمرت لعقود. تأتي هذه الزيارة في لحظة إعادة ترتيب للنفوذ في الجنوب السوري؛ إذ تشير المصادر الدبلوماسية إلى أن واشنطن تسعى إلى إبرام اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل قبل موعد الزيارة، وهو ما يتقاطع مع السياسة الأميركية الرامية إلى تجميد الجبهات في الشرق الأوسط لمصلحة تحالف أوسع ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

تسعى الإدارة الأميركية، وفق تصريحات المبعوث الخاص توم بارّاك، إلى إدماج سوريا في التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، وإلى تثبيت اتفاق أمني يضمن وقف الغارات الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب سوريا مقابل التزامات أمنية سورية؛ أي  بمعنى آخر، يجري تحويل الجنوب من ساحة اشتباك إلى منطقة  تنسيق أمني  بين واشنطن وتل أبيب ودمشق، تحت عنوان أوسع هو "الاستقرار"؛ مع احتمالية تدخل موسكو عبر فرز قوات شرطة عسكرية تعيدها الى نقاطها في الجنوب كما كان قد أعلن بوتين في حديثه الأخير عند استضافة الشرع في موسكو في تشرين الأول/ أكتوبر الفائت. 

فعلياً، كانت القنيطرة قد مثّلت طوال عقود رمزاً لسيادة الدولة السورية أمام إسرائيل، واليوم فإنها اليوم تتحوّل إلى ملف تفاوضي على طاولة القوى الكبرى؛ إذ إن الزيارة المرتقبة للشرع ليست حدثاً بروتوكولياً فحسب، بل تعبيراً عن مرحلة جديدة من البراغماتية السيادية للرئيس أحمد الشرع، حيث تصبح الحدود والأمن والتموضع الإقليمي أوراق تفاوض لإعادة إدماج سوريا في النظام الدولي. 

 

المياه والسدود وهندسة النفوذ

في ظلّ هذا المشهد، حيث تتقاطع مصالح إسرائيل، والقيادة السورية الجديدة، والولايات المتحدة، والقوى المحلية، لا يمكن  التغاضي عن ملف المياه والسدود كأحد أبرز الملفات الحسّاسة التي تعبّر عن التحول من إدارة الدولة إلى إدارة التفاهمات.


فالقنيطرة وريف درعا يشكلان جزءاً من الحوض المائي المشترك مع الجولان المحتل، وتضم المنطقة عدداً من السدود الحيوية مثل سد المنطرة وسد رويحينة وسد كودنة، التي لطالما كانت تحت إشراف مؤسسات سورية (مع وجود تنسيق حول بناء هذه السدود منذ ثمانينيات القرن الماضي مع إسرائيل)، قبل أن تتحول بعد انهيار البنية المركزية إلى نقاط تماس ميدانية تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي في نقاط حماية وقواعد إطلاق عمليات أمنية.

لم تعد هذه السدود مجرّد بنىً تحتية، بل تحوّلت إلى رموز للسيطرة ومواقع مراقبة متقدمة؛ إذ إن إسرائيل، التي تتابع بدقة تدفقات المياه عبر سدود القنيطرة ووديان اليرموك وبحيرة طبريا، تنظر إلى أي نشاط سوري قرب هذه السدود بوصفه تهديداً استراتيجياً يمكن أن يؤثر في أمنها المائي. في المقابل، ترى الحكومة السورية الجديدة أن استعادة إدارة هذه المنشآت تمثّل اختباراً حقيقياً لاستعادة السيادة، لا سيما بعد أن أصبح جزء منها واقعاً تحت الإشراف المشترك مع قوات الأمم المتحدة أو قوات محلية تموّلها أطراف خارجية.

تظهر هنا المفارقة الكبرى؛ حيث أن المياه التي يفترض أن تكون مورداً للتكامل، أصبحت وسيلة للضبط والسيطرة؛ فالاتفاقات الأمنية والجولات المكوكية، المعلنة وغير المعلنة، بين دمشق وتل أبيب، والتي تتوسطها واشنطن، ربما ستتضمن أيضاً بنوداً تتعلق بضمان عدم استخدام السدود أو شبكات الري في أي نشاط عسكري أو لوجستي. بذلك يتحوّل ملف المياه إلى ملف أمني بامتياز، يخضع للمراقبة أكثر مما يخضع للتنمية، ويمثّل أحد تجليات التحوّل في مفهوم السيادة، أي من حقّ إدارة الموارد إلى حقّ ضبطها.

من بوابة سعسع القديمة إلى البوابة الحديدية في الصمدانية، ومن تصاريح المخابرات إلى تفاهمات البيت الأبيض، تمتد رحلة القنيطرة بوصفها مرآة مكثفة لتحولات سوريا. إنها تختصر الانتقال من دولة مركزية تحتكر السيادة إلى فضاء موزّع بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. وفي الوقت الذي تستعد فيه دمشق لزيارة تاريخية إلى واشنطن، تظل القنيطرة تذكيراً صارخاً بأن السيادة في سوريا لم تعد شأناً داخلياً؛ بل أصبحت موضوعاً للتفاوض، تُدار بوسائل المراقبة لا بالحدود، وبالتحالفات لا بالاستقلال.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث