اليوم التالي لترامب: كيف تستعد إسرائيل للهزة المتوقعة؟

المدن - عرب وعالمالخميس 2025/11/06
ترامب (Getty)
إسرائيل تستعد لمرحلة ما بعد ترامب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قال معهد دراسات الأمن القومي في تقرير حمل توقيع هايمان، إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إنهاء الحرب في قطاع غزة تنسجم، بدرجة كبيرة، مع المصلحة الإسرائيلية الواسعة: استعادة المخطوفين من قبضة حركة "حماس"؛ إنهاء الحرب؛ إبعاد "حماس" عن الحكم في القطاع، وتجريدها من سلاحها؛ ربط إسرائيل جيداً بدول الشرق الأوسط، مع كبح اتجاه عزلتها على الساحة الدولية. علاوةً على ذلك، إن تبنّي الخطة ضروري لاستقطاب الرئيس ترامب من أجل الدفع بمبادرات إضافية تعزز الأمن القومي الإسرائيلي.


علاقة أميركية- إسرائيلية راسخة؟
وأشار التقرير إلى أن انخراط الرئيس ترامب في مسألة أمن إسرائيل، وخصوصاً الخطة التي طرحها لإنهاء الحرب في قطاع غزة، قد يشير إلى علاقة راسخة وعميقة بين إسرائيل والولايات المتحدة (هناك مَن سيقول إنها تحوِّل إسرائيل إلى دولة تابعة تقريباً)، قد يكون هذا الانطباع صحيحاً، لكن من خلال تحليل الاتجاهات الطويلة الأمد، يجب إدراك الواقع الإشكالي المكون في العلاقات الإسرائيلية – الأميركية ومواجهته مسبقاً لتقليص حدّته.
وأضاف هايمان، في الواقع، تشهد الولايات المتحدة تحولات داخلية جوهرية، مثلما هي الحال في المجتمع الإسرائيلي، والعلاقات بين الدولتين تتأثر عميقاً بهذه التحولات التي تشمل تغيّرات ديموغرافية واجتماعية وسياسية. وبصورة عامة، يمكن القول إن الصوت التقدمي الراديكالي يزداد قوةً في أوساط جناح اليسار في النظام السياسي الأميركي. هذه النزعة المتطرفة تحاول التكفير عن "خطيئة الآباء المؤسّسين"، أي استعباد السود وإبادة سكان القارة الأصليين، من خلال تمجيد الضعيف والمظلوم، وتبنّي الكراهية (حتى الذات) للرجل الأبيض "المتميز"، من هذا المنظور، تصوَّر إسرائيل كرمز لـ"الأبيض القوي المستغِل" في مقابل الشعب الفلسطيني الضعيف والمقهور والمضطهَد.
إلى جانب هذه الدوائر الراديكالية، يتعمق الإحباط من إسرائيل داخل شرائح أوسع من اليسار الأميركي المعتدل، بسبب الطريقة التي ترى بها أفعال الحكومة الإسرائيلية على الساحة الداخلية الأميركية.


تغير اليمين الأميركي
كذلك يتغيّر اليمين الأميركي المحافظ، فكثيرون من أنصاره يشدّهم الحنين إلى خمسينيات القرن العشرين "الذهبية"، حين واجهت الولايات المتحدة تحديات على الساحة الدولية، لكنها تمتعت بمكانة لا ينازعها عليها أحد. أمّا الرئيس ترامب نفسه، وحسبما تشهد اختياراته الموسيقية وإشاراته السينمائية، فهو معجب بالثمانينيات، فترة رئاسة رونالد ريغان، التي عبّرت بدورها عن حنين إلى الخمسينيات. في نظر هذه الأوساط، تلك كانت فترة صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية عظمى، تقودها هيمنة ذكورية بيضاء ومسيحية، وتشكل تجسيداً نهائياً لهذه الهيمنة. ومن هذا المنظور، فإن حركة "اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً" (MAGA) التي يقودها الرئيس ترامب، تُعَد تعبيراً عن نوع من "الأصولية" (الحنين إلى الأسس).
إن "العظَمة" الأميركية، حسبما يراها أتباع الرئيس، تتطلب الاستثمار داخل الولايات المتحدة نفسها (وضمن ذلك تحقيق النصر في المنافسة مع الصين)، بينما يُنظر إلى الاستثمار خارجها على أنه غير ضروري. ويرى بعض الأوساط الراديكالية من هذا المعسكر أن إسرائيل دولة انتهازية تحاول دفع الولايات المتحدة إلى خوض حروبها، ليس بالضرورة بما يتوافق مع المصالح الأميركية، وبذلك تضعف أميركا في منافستها على الهيمنة العالمية. إلى جانب ذلك، تُسمع أصوات في هذا المعسكر تعبّر عن نزعات معادية لليهودية تربطها بإسرائيل.


انخفاض تأييد الأميركيين لإسرائيل
وتشير استطلاعات الرأي العام إلى هذه الاتجاهات بوضوح: هناك انخفاض ملموس ومطّرد في تأييد المواطنين الأميركيين لإسرائيل، سواء على مستوى الرأي العام، أو على المستوى البرلماني، فوفقاً لاستطلاع أجراه معهد "بيو" (PEW) في نهاية آذار/مارس 2025، بلغت نسبة الأميركيين الذين يبدون موقفاً سلبياً تجاه إسرائيل 53%، في حين وصلت درجة التعاطف مع إسرائيل، مقارنةً بالتعاطف مع الفلسطينيين، إلى أدنى مستوى خلال 25 عاماً، كذلك أظهر استطلاع شركة "غالوب" (Gallup) في الشهر نفسه أن نسبة الدعم لإسرائيل بين مجمل البالغين الأميركيين انخفضت إلى 46% فقط، وهو أيضاً الرقم الأدنى خلال ربع قرن.
إن الربط القائم في الرأي العام الديمقراطي، وداخل أوساط الحزب الديمقراطي نفسه، بين حكومة إسرائيل والحزب الجمهوري، يعمّق هذه الاتجاهات أكثر، وقد يُترجَم إلى سياسة خارجية مختلفة لإدارة ديمقراطية مستقبلية، أقل تأييداً لإسرائيل.
وتُظهر استطلاعات رأي عام أُخرى اتجاهاً مماثلاً: ففي استطلاع لجامعة ميريلاند، رأى 41% من الأميركيين أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، أو أفعالاً مشابهة في قطاع غزة، وارتفعت نسبة التأييد للفلسطينيين بالتدريج، لتصل إلى 33% (مقارنةً بـ15% سنة 2016). وما زال التأييد لإسرائيل مرتفعاً بين الجمهوريين (75%)، لكن تظهر بوادر تراجُع أيضاً: ففي الفئة العمرية 18–34 عاماً، لا يؤيد إسرائيل سوى 13%، في مقابل 67% من فئة الـ65 عاماً، فما فوق.
لا يزال الإنجيليون البيض من أشد أنصار إسرائيل حماسةً، لكن الدراسات تُظهر تراجعاً مستمراً في حجمهم وتأثيرهم؛ لقد انخفضت نسبة الأميركيين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم إنجيليون من 23% في سنة 2006 إلى 14% في سنة 2020. علاوةً على ذلك، حتى داخل هذه الفئة، يُلاحَظ تآكل في دعم إسرائيل: لقد هبط التأييد لإسرائيل بين الإنجيليين الشباب من 69% في سنة 2018 إلى 34% في سنة 2021، وما زال هذا الاتجاه مستمراً. وتشير استطلاعات جديدة إلى أن دعم إسرائيل بين الشباب الإنجيليين، على الرغم من أنه أعلى من أقرانهم غير الإنجيليين، يبقى أدنى بعشرات النقاط المئوية، مقارنةً بالإنجيليين الأكبر سناً؛ باختصار، من منظور مستقبلي، إسرائيل تقف على حافة هاوية.
الاستنتاج: يجب استغلال نافذة الفرصة الفريدة التي يتيحها رئيس استثنائي، فما دام الرئيس ترامب في البيت الأبيض، أمام إسرائيل فرصة كبيرة، وعليها استثمارها عبر مسارَين متوازيَين: مسار لتشكيل الشرق الأوسط، ومسار للتعاظم وتعزيز إسرائيل. هذه الجهود قد تخفف الاتجاهات السلبية التي تواجهها إسرائيل وتؤمّن مصالحها الحيوية في حال استمرارها.


السياسة المطلوبة لتشكيل الشرق الأوسط
1. على الساحة الإقليمية/ الفلسطينية: تُحسن حكومة إسرائيل صنعاً بتبنيها الرسمي لمبادرة ترامب، لكن يجب أن تخطو خطوة أُخرى إلى الأمام، وتستغل الفترة الحالية لرسم الخطوط العريضة السياسية للانفصال بين دولة إسرائيل وكيان فلسطيني مستقل (منزوع السلاح، وبسيادة محدودة، وفقاً للتفاهمات مع إسرائيل، حسبما طالبت الأخيرة في مفاوضات سابقة)، يمكن في هذا السياق الارتباط بمبادرة ترامب في سنة 2020 ("صفقة القرن")، التي تحتوي على عناصر تخدم إسرائيل جيداً، وهي مذكورة أيضاً في الخطة الحالية المطروحة. إن بناء جسر بين مبادرتَي ترامب قد يفتح طريقاً نحو حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
2. استراتيجيا ثنائية المستويات تجاه إيران: ضغط اقتصادي قد يزعزع استقرار النظام، لكن غايته الحقيقية هي دفع إيران إلى قبول اتفاق نووي أفضل من السابق. هذه الاستراتيجيا تجمع بين سياسة "الضغط الأقصى" الاقتصادية والدبلوماسية، التي تقودها الولايات المتحدة، وبين تهديد عسكري موثوق به من خلال بناء قدرة هجومية إسرائيلية – أميركية مشتركة متجددة. وإذا تغيّر النظام الإيراني، فذلك الأفضل، لكن إذا بقيَ، على الرغم من هذه الخطوات كلها، فيجب استغلال نهاية ولاية ترامب لصوغ اتفاق نووي جديد يضمن عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، ويُنصح بعدم ترك هذا الملف للرئيس الأميركي القادم، مثلما تأمل القيادة الإيرانية.
3. توجيه سورية نحو حكم معتدل: إن الوضع المثالي في سورية واضح، دولة مستقرة تسيطر على أراضيها، ولا تسمح بتطور أي تهديد ضد إسرائيل، وتقيم معها علاقات دبلوماسية قد تصل إلى التطبيع. أمّا الطريق إلى ذلك، فليست واضحة تماماً. من الصواب الدفع في اتجاه اتفاق أمني أولاً، لكن لا يجب استعجال الحاكم أحمد الشرع (الذي لا يُعرف، يقيناً، ما هي نياته) لاتخاذ قرارات مبكرة جداً قد تُسقطه وتأتي بزعيم إسلامي – جهادي أكثر تطرفاً. في الحالة السورية، الطريق أهم من الهدف ذاته، يجب تحديد محطات تساعد على استقرار نظام معتدل، منها إنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أراضٍ سورية، في مقابل اتفاق أمني، مع تقييم حذِر لموقف النظام من إسرائيل.
4. تطبيع العلاقات مع لبنان ونزع سلاح حزب الله: إن العمليات الهجومية الإسرائيلية المستمرة الهادفة إلى منع إعادة بناء حزب الله ضرورية جداً، وأن إضعافه عسكرياً هو ما مكّن الحكومة اللبنانية من المطالبة بنزع سلاحه، لكن يجب الإسراع أكثر لأن نافذة الفرصة هذه ستُغلق قريباً؛ أمّا إيران، فتسعى لإعادة بناء الحزب، ومتى استعاد قوته، سيتوقف المسار الذي تحاول بيروت دفعه. لذا، يجب تسريع الجهد لنزع سلاحه بدعم أميركي مباشر: يمكن للجيش الأميركي أن يدعم الجيش اللبناني، ويرافق عملية التفكيك بإشراف ومراقبة مباشرة منه (يصل الأمر إلى حد التدخُّل المباشر)، بما يكون أكثر فعالية من قوة "اليونيفيل" التي تدخل عامها الأخير. يجب الانتقال من الكلام إلى الفعل، ويفضَّل أن يكون ذلك عبر الجيشين اللبناني والأميركي. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون إسرائيل مستعدة لتكثيف عملياتها للحفاظ على ضُعف حزب الله واستثمار هذه الحالة لإنجاز التسوية السياسية.


تعزيز أمن إسرائيل

مذكرة تفاهُم جديدة مع الولايات المتحدة: يجب تكثيف الجهود لبلورة مذكرة تفاهُم جديدة، تنتقل فيها إسرائيل، بالتدريج، من تلقّي المساعدات الأمنية إلى شراكة تجارية (تماشياً مع التوجه الأميركي الحالي)، أي من وضع "الدولة المتلقّية" إلى "الشريكة الاستراتيجية". وتشمل هذه الشراكة بناء قدرات دفاع مشتركة، ورفع القيود على التصدير والاستيراد، وتعميق التصنيع في البلدين، ودمج إسرائيل في منظومة البحث والتطوير الأميركية. هذا المسار يمكن أن يرسّخ العلاقة الخاصة في المدى الطويل على أساس التزام تعاقُدي تجاري يعكس مصلحة مشتركة، لا مجرد قيَم متقاربة.
برنامج بحث مشترك في مجال التكنولوجيا العميقة: إن التكنولوجيا الناشئة، الحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعي، ستغيّر الحياة في العالم وميدان المعارك المستقبلية. وما زالت إسرائيل في موقع مناسب للّحاق بهذه الموجة، لكن وجود إدارة أميركية أقلّ وداً، إلى جانب تعاظُم الصورة السلبية لإسرائيل كطرف ملوّث، سياسياً وأخلاقياً، قد يقصيانها عن التطور العالمي. وحدها السياسة الاستباقية من ترامب (تصريح رئاسي، أو تشريع في الكونغرس) يمكن أن تضمن شراكة بحثية حقيقية، وتمنح الشركات الإسرائيلية الناشئة في الحوسبة الكمية بيئة أفضل في الولايات المتحدة.
إن انضمام إسرائيل إلى تحالف "العيون الخمس": وهو تحالف استخباراتي متميز بين الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا، يتيح تبادلاً للمعلومات الاستخباراتية، ويُنتج نظام إنذار متقدماً يفوق قدرات أي دولة منفردة، وانضمام إسرائيل سيحسّن قدراتها الاستخباراتية ومكانتها السياسية، ويساعدها على تحقيق أهدافها، إقليمياً ودولياً.
ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل ستتجه، في سنة 2026 إلى انتخابات عامة، بينما تدخل الولايات المتحدة في انتخابات منتصف المدة، ثم حملة الانتخابات الرئاسية لسنة 2028. وهذا الجدول الزمني يعني أن أمام إسرائيل أقلّ من 3 سنوات فعلياً، ولا يمكنها الاعتماد فقط على دعم ترامب؛ فالوقت الصافي قصير جداً، لذلك يجب التحرك الآن، وبسرعة.
ويضيف: "يجب تعزيز التعاون التكنولوجي وصوغ مذكرة التفاهم الجديدة مع الإدارة الأميركية الحالية، في موازاة بناء شبكة اتفاقيات ترسّخ إنجازات إسرائيل العملياتية في حربها ضد "حماس"، وفي ساحات المواجهة الأُخرى. يُعَدّ إنهاء الحرب ومنع انزلاقها في قطاع غزة إلى حرب استنزاف لا نهاية لها تطوراً مهماً، ويجب السعي لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق والتطبيق الكامل لخطة "النقاط العشرين" التي طرحها الرئيس ترامب".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث