عتريس يصل الشرق الأوسط!

ترامب
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

الرجال تشبه كثيراً أحلامها، ففي مطلع التسعينيات حَلِم اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أن يصحو يوماً من النوم فيجد البحر وقد ابتلع غزة، وفي مطلع الألفية الثالثة حلم أرئيل شارون رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك، أن يستيقظ ذات يوم فيجد غزة وقد اختفت عن الخريطة، لكن غزة خيبت أحلام رابين، وتمنيات شارون، فلا البحر ابتلعها، ولا داهمها الاختفاء قسراً أو طوعاً، حتى آتاها حديث دونالد ترامب في نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، فالرجل الذي يجلس في المكتب البيضاوي متمتعاً بما يسبغه الكرسي الرئاسي للقوة الأعظم عبر التاريخ الإنساني كله، من هالات القوة، والعظمة، والأبهة، قد اختصر الأحلام والكوابيس كلها حول غزة قائلاً: "غزة بتاعتي أنا".. تاركاً لجرافات بنيامين نتنياهو ومدرعاته ومدفعيته وطائراته، مهمة مقاولة هدم كل ماهو فوق أرض غزة من أبنية وما في جوفها من أنفاق، ومخابئ، ومستودعات. 
الخلاص من كابوس غزة، كان حلماً لدى اسحق رابين، لم يمهله التطرّف الإسرائيلي ليحققه، حتى قتلته رصاصات إيجال عامير (يهودي من أصل يمني)، فرحل رابين، دون  أن يبتلع البحر غزة.


ورث أرئيل شارون، أكثر جنرالات إسرائيل كفاءة، وأعظمهم قدرة على استشراف المستقبل، حتى أنه استشرف نهايته على بشاعتها، في رؤية رواها لإبنه عومري، رأى نفسه فيها وقد زلّت قدمه ليسقط في بئر  بمزرعته، ظل داخلها معلقاً في الهواء لا هو يخرج وقد تم إنقاذه، ولا هو يهوي حتى ترتطم رأسه بقاع البئر، وهو ما حدث بالفعل حيث داهمته غيبوبة لم تقتله على الفور، لكنها تركته معلقاً بين الحياة والموت ثماني سنوات، حتى وافاه الأجل المحتوم. 
لكن غزة في أحلام الرئيس الأميركي ترامب، ليست كابوساً مخيفاً، أو حلماً مرعباً، فالرجل بخلفيته النيويوركية كمطور عقاري، شقّ طريقه نحو ذرى الثراء، مستفيداً - كما يقول هو عن نفسه - من ذكائه، وقدراته الخاصة، وقع في غرام غزة كأكبر واجهة بحرية بموقع متميز شرقي المتوسط، ورآها بعين عبقريته العقارية، كأفضل استثمار سياحي على الإطلاق.


وقع ترامب شخصياً في غرام غزة، حتى أنه لم يعد مشغولاً بسبل السيطرة عليها، ولا بسبل التخلص من أهلها، فكل هذه الأمور من وجهة نظره، عقبات سوف يتولى تذليلها خُلصاءه وأصدقاءه في اوروبا وأميركا والشرق الاوسط، دون أدنى مقابل، فقط بنية استرضائه، أو اتقاء شره.
لا يجد ترامب سنداً، من القانون أو من الأخلاق أو من التاريخ أو من إرادة شعبية، في أميركا أو أوروبا أو الشرق الأوسط، بما فيه اسرائيل ذاتها، لحلمه بالزواج من غزة، فسنده الوحيد هو رغبة جامحة لديه في أن تكون غزة خالصة له، تماماً مثلما كان عتريس يرى نفسه مستحقاً لفؤادة، بغض النظر عن عدم موافقة ذلك للشرع ولا للأسرة ولا للمجتمع.


يصرخ الشرق الاوسط: "جواز عتريس من فؤادة باطل"! لكن عتريس يصر بعناد غير مفهوم على أن غزة حلوة، وأن أَهلها سيكونون سعداء بمنازل جديدة جميلة في مناطق سيتم تهجيرهم إليها، دون تحميلهم نفقات الانتقال!
لا العالم ولا المنطقة ولا أميركا بمؤسساتها وأحزابها وجامعاتها، تعاملت بجدية مع رغبة الرئيس الأميركي في الاستيلاء على غزة لنفسه، ولا حتى إسرائيل أخذت طروحات الرجل بشأن غزة على محمل الجد.
وفي لقاء مع الصحافيين بالمكتب البيضاوي، سُئل الرئيس ترامب عن مصدر الحق في استيلائه على غزة فأجاب منهياً جدالاً استفز مشاعره. "نأخذها هكذا.. بموجب سلطة الولايات المتحدة". فما هي سلطة الولايات المتحدة وأين تبدأ وأين تنتهي؟ وما علاقتها بالنظام الدولي وبالقانون الدولي؟ ومن الذي فوّض أميركا في الاحتلال والسيطرة ووضع اليد.


في الماضي، كان النظام الدولي يتمتع ببعض الحياء، ويفتش رموزه الكبار عن حجج مناسبة ينتحلونها للسيطرة والاحتلال، فكان نظام الانتداب الذي سمحت به عصبة الأمم، وكان مشروطاً وموقوتاً، ثم نظام الوصاية الذي سمحت به الأمم المتحدة وكان أيضاً مشروطاً بمهام محددة، وموقوتاً لفترات محددة. أما ما يطرحه ترامب بشأن غزة، فهو يقفز فوق كل القوانين والشرائع والاتفاقيات والمعاهدات، وحين يضيق الرجل بسؤال المشروعية عن مصدر حقه في الاستيلاء على غزة وإدارتها بعد تفريغها من سكانها، يجلب رجالاً بشعر أرجواني ونساءً من ذوي الاستدارات ولهن أسنان بيضاء.
يعرف ترامب أن المهمة فيما يتعلق بغزة، ليست استعمارية فحسب، لكنها "بيزنس" استدعى حضور شريكه العقاري ستيف ويتكوف وصهره رجل الأعمال جاريد كوشنر، وعراب أهم حوادث الاحتيال باسم العدالة والتاريخ والمشروعية، توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، شريك مغامرة جورج بوش الابن في العراق. 
فريق ترامب للبحث عن إطار ما، للسيطرة على غزة، يعرف أن من بين أهم محددات مهمته لحساب ترامب، أن الرئيس الأميركي لا يحب في "البيزنس" أن يمد يده إلى جيبه الخاص. فـ"البيزنس" الناجح برأيه هو ما يكفيك الآخرون مؤونته. وهكذا يتحمل نتنياهو مهمة مقاول أعمال الهدم في غزة. ويلتزم بتسليمها للرئيس البرتقالي خالية تماماً من السكان ومن الأنقاض، ومهيأة للبدء على الفور في إقامة "ريفييرا" أميركية فوقها.
تكلفة مقاولة الهدم تدفعها اسرائيل باعتبارها مقاول الهدم الاقليمي، أما تكلفة إقامة الفنادق والمنتجعات وأندية القمار، وبيوت اللهو والدعارة، فسيقوم بها خلصاء ترامب من أهل الإقليم، ويتكفل بعضهم بتحمل تكاليف التهجير ونقل السكان المهجرين طوعاً أو قسراً وإقامة مدن ومدارس ومستشفيات ومحطات كهرباء، ومراكز خدمات.


مشروع غزة التي يحبها ترامب، هو حلم أحلام الرجل لكنه على الأرجح، لن يتحقق او يكتمل، لأنه ببساطة يقفز فوق وقائع التاريخ وحقائق الجغرافيا، ولأنه يتجاهل مصالح. قوى رئيسية تتقدمها مصر التي يتعين على مراكز البحث والقرار فيها أن تجيب بدقة عن السؤال التالي: ماذا تفعل مصر اذا استيقظت ذات صباح لتجد بينها وبين أميركا حدوداً مشتركة في غزة ؟! سؤال يتعين على قوى الإقليم عجماً وعرباً أن يجدوا له إجابة. وإن كنت أرى أن عتريس الحدوته الغارق حتى شوشته في غرام غزة، سيكون غائباً على الأرجح عن باقي مشاهد الرواية التي سيكتبها الفلسطينيين بالدم وبالصبر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث