البرلمان السوري: من سحق الاستبداد إلى امتحان الدستور الجديد

بثينة عوضالاثنين 2025/08/25
مجلس الشعب السوري.jpg
هل نرى حقاً مجلس شعب موحداً هذه المرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

دوّى صوت انفجار هائل في سماء دمشق، وسرعان ما تبعته أصوات متتالية هزّت أحياء المدينة وأفزعت سكانها. المشهد مماثل لرعب عاشه السوريون منذ زمن قريب، بسبب أصوات قذائف الهاون التي كانت تتساقط على أحياء دمشق، والتي طبعت ذاكرة الدمشقيين في عهد الأسد، بكل ما حملته من وجع وتنوّع في الضحايا بين الطوائف والأعراق. لكن الحقيقة هذه المرة كانت مختلفة: لم يكن الأمر قصفاً ولا حرباً؛ بل لعنة لاحقت مسرح وسينما "جناق قلعة"، ذلك الصرح العثماني الذي شُيّد في العام 1916 كأول دار عرض مسرحي وسينمائي في دمشق على الطراز الأوروبي.

النيران التهمت المبنى التاريخي بعد حريق شبّ فيه إثر ماس كهربائي، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى ابتلعته ألسنة اللهب بالكامل. ومع الحريق، تواترت الحكايات والأنباء عن مأساة داخلية أكبر: عشرات من أبناء دمشق كانوا يتابعون عرضاً سينمائياً في تلك الليلة المشؤومة، حاصرتهم النيران وأطبقت عليهم، ليتحوّل الحلم السينمائي إلى كابوس جماعي، وتتفحّم جثثهم في أروقة المكان الذي وُلد ليكون فضاءً للفن والحياة.

ظلّت أنقاض سينما "جناق قلعة" قائمة في قلب دمشق ردحاً من الزمن، كجرح مفتوح يذكّر الأهالي بفظاعة الحريق الذي ابتلعها. لم تكن مجرد حجارة متفحمة؛ بل شاهداً حياً على مأساة ثقافية تشبه ما يحيط اليوم بمدخل دمشق، حيث تتكدّس الأبنية المهدّمة في الريف والمدينة، كأن الخراب في سوريا كُتب له أن يتحوّل إلى معلم دائم، لا يغيب عن النظر ولا عن الذاكرة.

لكن القدر اختار للمكان مصيراً آخر. ففي العام 1928، اتخذ الرئيس تاج الدين الحسني قراراً مفصلياً: أن يُشيَّد مبنى البرلمان السوري فوق أطلال السينما. بدأ البناء على مراحل، واكتملت المرحلة الأولى في العام 1932. هكذا تحوّل ركام دار السينما الأولى في دمشق إلى حجر الأساس لمؤسسة سياسية ستكتب تاريخ البلاد بتشريعاتها وقراراتها، وستحمل بين جدرانها أوجاع السوريين وأحلامهم المؤجلة.

المبنى الجديد لم يكن مجرد مقر سياسي؛ بل صرحاً معمارياً حمل لمسات الفن الدمشقي: أرضية قاعة الاجتماعات فُرشت بالرخام الأبيض، وجدرانها زُيّنت حتى ارتفاع ثلاثة أمتار برخام ملوّن، وما تبقى منها غُطّي بنقوش عربية محفورة في الجبصين. القاعة التي بُنيت لتكون مسرحاً للعمل التشريعي، تحوّلت مع الزمن إلى استراحة لأعضاء مجلس الشعب، كأن رمزية المكان أُفرغت من معناها.

تحت الأرض، حفر الفرنسيون سرداباً يربط مبنى البرلمان بمقر الدرك المجاور، يستخدمونه لتنقلاتهم السرية. ذلك السرداب ظلّ في ذاكرة الدمشقيين رمزاً للهيمنة العسكرية الأجنبية، لا يختلف كثيراً عن السراديب التي اكتشفت لاحقاً في عهد ماهر الأسد ومخابئه، حيث تُدار البلاد في العتمة.

لكن لعنة المكان لم تتوقف. ففي 29 أيار 1945، شهدت القاعة نفسها هجوماً دموياً عندما اعتدت القوات الفرنسية على البرلمان، فاستشهد عدد من عناصر الحامية السورية وهم يدافعون عن رمز السيادة الوطنية. رُمّم المبنى لاحقاً، غير أن الجرح ظلّ محفوراً في ذاكرة الحجر والبشر.

توالت العقود، وتناوبت السلطات، لكن اللعنة التي رافقت المكان بقيت شاخصة: سحقه الأسد الأب بقبضته الحديدية، وورثه الابن ليحوّله إلى مسرح صوري للقرارات المعلّبة، شاهدة على انهيار الدولة ومصادرة الحياة العامة. صار البرلمان مجرّد مبنىً محاصر بالخراب، يختزل مسيرة سوريا الحديثة بكل مفاصلها، بانتصاراتها الصغيرة وهزائمها الكبيرة، بتشريعاتها التي بدّلت وجه البلد، وغالباً ما مزّقت روحه.

وهكذا، من سينما حلمت أن تُدخل الحداثة إلى دمشق، إلى برلمان تلاعب بمصائر السوريين، ظلّ المكان نفسه مسرحاً للتراجيديا السورية المستمرة، حيث لا تنطفئ اللعنات؛ بل تتوارثها الأجيال.

جمال خارجي 

يُطلّ مبنى مجلس الشعب السوري على حي الصالحية بدمشق، ويدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ العام 1979. غير أن هذه الفخامة لم تستطع أن تحجب حقيقة ما جرى تحت قبته لعقود لاحقة، حيث تحوّل المكان من فضاء للتشريع والنقاش الوطني إلى مسرح للتصفيق والولاء.

في القاعة التي وُلدت لتكون صوت الشعب، اعتاد النواب الوقوف مصفّقين كلما لوّح الأسد الابن بيده أو أطلق كلماته القاسية بحق السوريين المطالبين بالحرية. لم تكن تلك القاعة شاهداً على قوانين تُنصف الناس، بقدر ما كانت شاهداً على مشاهد إذلال سياسي ممسرح، حين اختُزل الشعب في شخص الحاكم، واختُصر البرلمان في قاعة تصفيق جماعي. وفي لحظة فارقة، حين وصف بشار الأسد شعبه الثائر بأبشع الأوصاف تحت تلك القبة، دوّى التصفيق كأنه صدىً لخطاب السلطان؛ بل زاد أحد النواب بالقول متملقاً: "يجب ألا تكون حاكماً لسوريا فقط؛ بل للعالم بأسره".

أما الأب، حافظ الأسد، فقد سبق ابنه في تكريس سلطة الفرد. ففي 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، طوّقت دباباته مبنى البرلمان، في انقلاب أنهى حكم الرئيس نور الدين الأتاسي، وأقصى دور المجلس السياسي بالكامل. ورغم ذلك، أبقى النظام على المجلس قائماً من الناحية الشكلية، أي بوصفه ديكوراً سياسياً يخدم أهدافاً محددة: شرعنة الحكم الفردي، إضفاء غطاء قانوني على القرارات المصيرية، وإيهام الداخل والخارج بوجود مؤسسة تشريعية تمثل الشعب.

وفي الحقيقة أن مسار التهميش بدأ منذ انقلاب حزب البعث في العام 1963، حين أُلغيت التعددية الحزبية، وسُحقت الحياة السياسية والاجتماعية تحت القبضة الأمنية. البرلمان الذي كان في الخمسينيات ساحة حوار وتنافس بين تيارات اليمين واليسار والوسط، تحوّل تدريجياً إلى مؤسسة مرتهنة للحزب الحاكم، فاقدة لروحها التشريعية الحرة.

ومع انقلاب 1970 اكتمل المشهد: سقطت الصفة التشريعية الحقيقية عن المجلس، وغدا مجرد أداة ضمن منظومة السلطة. وحتى الصلاحيات الدستورية الواسعة التي مُنحت له ــ من إقرار الموازنة العامة إلى إعلان الحرب والسلم، والتصديق على المعاهدات الدولية، ومساءلة الحكومة أو حجب الثقة عنها ــ جُمّدت عملياً لتبقى حبراً على ورق.

 

الطريق نفسه

سار الابن على خطى أبيه، فبقي المجلس تحت قبضة حزب البعث، وتبعته أحزاب شكلية أُدرجت ضمن ما سُمّي "الجبهة الوطنية التقدمية"، لا وظيفة لها سوى تكريس وهم التعددية. وتحوّل المبنى الذي شُيّد ليكون واجهة ديمقراطية إلى شاهد حجري على موت السياسة في سوريا: جدرانه مكسوة بالرخام الفاخر، لكن تحت قبته انطفأت الحياة البرلمانية، وحلّت محلها مسرحية مستمرة منذ نصف قرن، عنوانها "مجلس الشعب"، في حين ظل الشعب الحقيقي خارج القاعة، محروماً من الصوت والقرار.

تمتّع أعضاء مجلس الشعب السوري على الورق بحصانة قانونية، لكن هذه الحصانة لم تُستخدم لحماية العمل التشريعي بقدر ما تحوّلت عند البعض إلى غطاء لممارسات مشبوهة: من عمليات تهريب وتبييض أموال، إلى لعب دور "واجهة" لتجار الحرب وأمراء الاقتصاد الأسود. وفي المقابل، كل من حاول ممارسة دوره التشريعي الحقيقي أو تمرّد على الخط المرسوم له، جرى تهميشه أو محاربته. بعضهم اختار الانشقاق العلني مع بدايات الثورة السورية في العام 2011، حين انكمش نفوذ النظام وتقلّصت سلطته إلى حوالي نصف الأراضي السورية.

وبرغم ذلك، أصر على تنظيم انتخابات برلمانية في العام 2012، في سابقة لافتة: برلمان يُنتخب على أرض يتنازعها السلاح والسلطات، ويُفتتح تحت قبة فقدت الكثير من معناها. وتكرّر المشهد في العام 2016، حين جرت الانتخابات على أقل من ثلثي الجغرافيا السورية، ثم مرة أخرى في العام 2020، في ظروف مشابهة، حيث بقي الشكل وحده حاضراً، في حين كان المضمون السياسي غائباً.

الانتخابات، في حقيقتها، لم تكن سوى كرنفال احتفالي تُنفق عليه مبالغ تكفي لإطعام مئات العائلات الجائعة والمهجّرة. شوارع تُغرقها اللافتات والشعارات البرّاقة، وصور المرشحين تتدلى من المباني كما لو كانت إعلاناً تجارياً ضخماً. وراء الكواليس، تُدار التجارة الرابحة الوحيدة في أيام الانتخابات: تجارة الأصوات.

لم يعد الصوت الانتخابي موقفاً سياسياً؛ بل سلعة تُباع وتُشترى. مقابل 500 ليرة سورية فقط ــ مبلغ هزيل لا يكفي ثمن ربطة خبز ــ يُمنح الناخب "امتياز" التصويت. بعضهم يبيع صوته أكثر من مرة في اليوم نفسه، وبعض الوسطاء امتهنوا جمع الهويات من أكبر عدد ممكن من الناس، ثم إعادة بيعها للمرشحين لقاء نسبة من الأرباح. على هذا النحو تحوّلت العملية الانتخابية برمّتها إلى سوق سوداء، يتنافس فيها المرشحون على من يشتري أكثر، ويتبارى المواطنون على من يبيع أسرع.

بهذا المشهد، لم يعد مجلس الشعب حتى مجرّد ديكور سياسي؛ بل واجهة متهاوية لعملية انتخابية جوفاء، تُذكّر السوريين في كل دورة انتخابية بأن السلطة الحقيقية لا تُمارس تحت القبة؛ إنما في مكان آخر تماماً.

 

الثورة

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في العام 2011، وجد النظام السوري نفسه في مواجهة غير مسبوقة. ولتهدئة الشارع وإقناع الخارج بأنه بصدد تنفيذ إصلاحات سياسية، لجأ إلى تعديل شكلي في الدستور. أُعلن عن إلغاء المادة الثامنة الشهيرة، التي نصّت منذ العام 1973 على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، واستُبدلت بنص جديد يتحدث عن التعددية السياسية، مؤكّداً أن النظام السياسي للدولة يقوم "على مبدأ التعددية السياسية، وتُمارَس السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع".

لكن هذه الخطوة، التي رُوِّج لها بوصفها انتصاراً للإصلاح والانفتاح، لم تتجاوز حدود الورق. فعلى الأرض، ظلّ المشهد على حاله: انتشار أمني وعسكري كثيف في الشوارع، حواجز تحاصر المدن، وأجهزة مخابرات تلاحق الناخبين والمرشحين على حدّ سواء. وهكذا، بدت المادة الثامنة كأنها سقطت نظرياً، لكنها استمرت عملياً بأشكال أكثر قسوة، عبر القبضة الأمنية التي حلّت محل النصوص.

في هذا السياق، ظلّ مجلس الشعب أداةً بيد السلطة. لم يتحوّل إلى ساحة لتجسيد التعددية؛ بل إلى منصة لتوزيع المحاصصات والمكاسب على الموالين، وإعادة إنتاج الشخصيات التي تضمن ولاءها للنظام. كل دورة انتخابية كانت تُنتج وجوهاً جديدة شكلياً، لكنها تحمل الولاء نفسه، لتؤدي الدور نفسه: تصفيق تحت القبة، وتبرير للقرارات القادمة من فوقها في بلد مكتوب في دستوره أنه ديمقراطي تعددي، في حين أنه يُحكم في الواقع بالحديد والنار.

 

الشرع

تستقبل البلاد مرحلتها الجديدة وهي تعيش فراغاً تشريعياً خطيراً، بعد سقوط النظام البائد وحلّ البرلمان. المجلس الذي أولاه هاشم الأتاسي منذ الاستقلال عنايةً خاصة بوصفه رمزاً للشرعية الوطنية، ثم أذلّه الانقلابيون، واحتقره حافظ الأسد ووريثه لعقود، يجد نفسه اليوم أمام امتحان تاريخي: هل ينصفه الدستور الجديد، وتعيده المرحلة الانتقالية إلى مكانته الطبيعية بوصفه سلطةً تشريعية تمثل الشعب؟

في هذا السياق، صادق الرئيس أحمد الشرع على المرسوم الخاص بالنظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب، والذي حدّد العدد الإجمالي للأعضاء بـ 210 مقاعد، يُنتخب منها الثلثان بالاقتراع المباشر، في حين تُوزّع المقاعد على المحافظات وفق التوزيع السكاني، بحيث لا يقل تمثيل أية دائرة انتخابية عن مقعد واحد.

وأناط المرسوم بـاللجنة العليا للانتخابات مهمة الإشراف الكامل على العملية الانتخابية، بما في ذلك إدارة اللجان الفرعية، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان "حرية الانتخابات وسلامتها ونزاهتها".

كان الأكثر إثارة للجدل الشروط المفروضة على الترشح، والتي عدّها البعض إقصائية:

•        عدم السماح لمن ترشّح للانتخابات الرئاسية بعد العام 2011 بخوض الانتخابات البرلمانية.

•        منع كل من شغل عضوية مجلس الشعب أو ترشّح له بعد 2011، إلا إذا أثبت انشقاقه.

•        استبعاد من دعم النظام السابق أو التنظيمات المصنفة "إرهابية".

•        منع دعاة الانفصال أو من اتُّهم بالاستقواء بالخارج.

•        حظر ترشّح العسكريين ومنتسبي الأجهزة الأمنية.

•        وكذلك الوزراء والمحافظين ونوابهم ومعاونيهم.

رئيس لجنة الانتخابات دافع عن هذه الصيغة، مؤكّداً أن تأجيل الانتخابات أمر مستحيل "لحاجة البلاد الماسة إلى سلطة تشريعية"، معلناً إبقاء 10% من مقاعد السويداء والحسكة والرقة شاغرة ريثما يجري التوصل إلى تفاهم سياسي يضمن مشاركة هذه المناطق.

هذه الشروط أثارت نقاشاً واسعاً. أحد النواب السابقين، وهو شخصية ذات مرجعية دينية، علّق لـ"المدن" قائلاً: "استبعاد فئات واسعة من المجتمع من المشاركة في الحياة البرلمانية تقليل خطير من دور المجلس المنتظر. البرلمان هو المكان الذي يلتقي فيه المختلفون، لا منصة لمؤيدين جدد للسلطة. ما يصفونه بالعمل مع النظام البائد ليس إلا اختلافاً سياسياً، موجوداً في كل برلمانات العالم. أخشى أن نقع في فخ النظام السابق الذي كان يمنع أي صوت مختلف من التقدّم للحياة العامة، ومن تجرّأ على المعارضة حينها من قلب البرلمان ضد الأسد عوقب بأحكام تصل إلى الإعدام. للأسف، رفض نواب النظام السابق ودعاة الانفصال على نحوٍ مطلق لن يُنتج مجلساً حيوياً متفاعلاً؛ بل مجلساً شكلياً استشارياً يكرّر أخطاء الماضي".

وجهة النظر هذه عكست الخوف من إعادة إنتاج الإقصاء نفسه، وإن بأدوات جديدة، لكنها ليست الوحيدة. كثيرون يرون أن الوقت لا يزال مبكراً لإصدار حكم قاطع على تجربة لم تدخل بعد حيّز التنفيذ، وأن الأهم هو نجاح المرحلة الانتقالية في إنتاج مؤسسة تشريعية فعلية في بلدٍ أكله الفساد حتى العظم، وبات ترميمه أصعب من أي وقت مضى. 

وجهة نظر تحتمل الأخذ بها؛ إذ إنه من الصعب إجراء انتخابات سورية حرة شعبية كاملة، ونحن في بداية ولادة مجتمع جديد لم يتجاوز عمره الثمانية أشهر ... خصوصاً أن مسارات التشكيل البرلماني من النوع الذي يحتاج إلى طابع زمني طويل، وتوحد جغرافي، وبعد سوري جامع بعيداً عن المكون الطائفي، وهو ما يتيح الفرصة الحقيقة  لانتخاب حر ومباشر.

 

سيرة ذاتية

منذ الاستقلال في العام 1946 وحتى العام 1949، عاشت سوريا تجربة قصيرة، لكنها بالغة الأهمية مع النظام الجمهوري البرلماني. خلال تلك السنوات، برزت أحزاب سياسية متنوعة على الساحة، من بينها الحزب الوطني، الحزب الشيوعي، جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب نشوء تيارات جديدة مثل حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي. 

خاضت هذه القوى الانتخابات التشريعية في تموز 1947، وكانت الغلبة يومها للأحزاب البرجوازية التقليدية، وفي مقدمتها الحزب الوطني، تحت أنظار رئيس الجمهورية آنذاك هاشم الأتاسي، الذي سعى إلى ترسيخ تقاليد برلمانية ناشئة.

لكن سرعان ما دخلت البلاد مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"النقطة السوداء" في تاريخ الجمهورية السورية. ففي العام 1949، توقفت الحياة الحزبية كلياً، وبدأ مسلسل الانقلابات العسكرية. استولى حسني الزعيم على السلطة عبر أول انقلاب عسكري، ثم أقام انتخابات رئاسية مفصّلة على مقاسه، اتُّهم بتزويرها بعد أن حصد 98% من الأصوات، في حين كان يلاحق زعماء الأحزاب ويزجّهم في السجون. لم يدم حكمه سوى أشهر معدودة، لكنه فتح الباب أمام عهد الانقلابات المتلاحقة.

وفي العام نفسه، أطاح سامي الحناوي بالزعيم وأعاد الحياة البرلمانية، فأفرج عن المعتقلين السياسيين، وأُجريت انتخابات فاز فيها حزب الشعب بغالبية المقاعد. إلا أن هذه العودة لم تدم طويلاً، إذ جاء انقلاب جديد قاده اللواء أديب الشيشكلي، الذي أبقى على الحياة السياسية شكلاً، لكنه دخل في صراع مع البرلمان حول هوية الدولة بين الطابع العلماني والإسلامي. ومع ذلك، جرت انتخابات برلمانية اعتُبرت الأزهى والأكثر نزاهة في تاريخ البلاد، استطاعت فيها القوى اليسارية التقدّم على حساب الأحزاب التقليدية، قبل أن تُطاح التجربة بأكملها مع قيام الوحدة السورية ــ المصرية في العام 1958.

وبعد الانفصال عن مصر في العام 1961، عادت الحياة البرلمانية إلى سوريا، لكنها لم تدم طويلاً. إذ أعقبها إعلان حالة الطوارئ في العام 1962، فتوقفت التعددية الحزبية، ولم يلبث أن جاء انقلاب 8 آذار 1963، الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة، واضعاً حداً فعلياً لأية حياة سياسية حرة. ومنذ ذلك اليوم، سحق الحزب الحاكم التعددية، وصادر البرلمان، واحتكر السلطة التنفيذية والتشريعية والاجتماعية لعقود طويلة.

واليوم، وبعد سقوط النظام البائد، تجد سوريا نفسها أمام مفترق طرق جديد: هل تستعيد البلاد برلماناً حقيقياً يشرّع باسم الشعب ويعكس تعدديته، أم تعود الدائرة لتكرار الماضي؟ الرئيس الذي أعلن أنه "خادم للبلاد لا حاكمها"، يصرّ على وحدة سوريا وعدم تقسيمها، واضعاً ثقته في مرحلة برلمانية جديدة قد تعيد الاعتبار لمؤسسة ظُلمت طويلاً. لكن السؤال يبقى مفتوحاً: هل نرى حقاً مجلس شعب موحّداً هذه المرة، يعكس آمالَ السوريين لا قيودَ السلطة؟ 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث