لقاء في قصر الشعب: مصالحة أم تدوير للمشهد؟

أنيس المهناالثلاثاء 2025/08/19
أحمد الشرع ويوحنا العاشر يازجي (الرئاسة السورية)
الشرع التقى اليازجي للمرة الأولى بعد تفجير كنيسة مار إلياس (الرئاسة السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لقاء رسمي عُقد في قصر الشعب بدمشق يوم 16 أغسطس/آب 2025، جلس الرئيس السوري أحمد الشرع مع البطريرك يوحنا العاشر يازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، في محاولة لطي صفحة الجفاء بين الطرفين. يأتي اللقاء بعد شهرين من تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة (22 حزيران/يونيو) الذي أودى بحياة 27 مصلياً وأصاب 63 آخرين.
اللقاء الذي أكد على "دور الكنيسة في ترسيخ الوحدة الوطنية"، جاء بعد انتقادات علنية وجهها البطريرك للحكومة السورية، حين حمّلها "المسؤولية عن التقصير في حماية المواطنين" واعتبر يوم التفجير "يوم حداد على الحكومة"، بعدما اكتفى الرئيس الشرع حينها بمكالمة تعزية هاتفية ولم يعلن الحداد الوطني.
 

من ركام الكنيسة إلى قصر الرئاسة
شكلت جريمة مار إلياس شرخاً عميقاً في الجسد الوطني السوري، حيث نفذ الهجوم انتحاريان غير سوريين استغلا "الفراغ الأمني بعد تحرير العاصمة"، وفق وزارة الداخلية. وفي تشييع الضحايا، كسر البطريرك الصمت الرسمي بلهجة حادة، منتقداً غياب رد رسمي يتناسب مع حجم المأساة.
غير أن الأسبوع الماضي شهد مفاجأة في مسار المصالحة، بدأت بزيارة تمهيدية قادها الأمين العام للرئاسة ماهر الشرع (شقيق الرئيس)، في 14 آب/أغسطس، جرى خلالها بحث "ضرورة مشاركة جميع فئات المجتمع في بناء مستقبل سوريا". وقد أعقب ذلك إزالة أي إشارة للانتقادات السابقة والتركيز على خطاب "التآخي بين أبناء الوطن الجامع".
 

وساطة أم إعادة الدور؟
ويرى الدكتور نوار نجمة، المتحدث الإعلامي باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أن اللقاء بين الرئيس والبطريرك، كان "مؤثراً"، وهدفه الرئيس "تقديم الانتماء الوطني فوق أي انتماء ديني أو عرقي أو مناطقي". 
ويؤكد نجمة لـ"المدن"، أن الكنيسة الأرثوذكسية "لا تدّخر جهداً في ترميم الوحدة الوطنية، وهو ما يعكس الدور التاريخي للمسيحيين في سوريا والشرق".
وفي السياق ذاته، يشدد عضو اللجنة العليا للانتخابات أنس العبدة، في حديثه لـ"المدن"، على الدور التاريخي للمسيحيين في سوريا، مذكّراً بأن زيارة البطريرك إلى القصر الجمهوري تؤسس لبناء "سوريا جديدة قائمة على التشاركية". ويوضح أن هذه الخطوة لاقت ارتياحاً واسعاً بين مختلف أطياف الشعب السوري وحتى في دول الجوار، معتبراً أنها ستنعكس على الوضع السوري والإقليمي.
 

إرث المسيحيين.. المحبة
لطالما كان للمسيحيين في سوريا، أدواراً وطنية وإنسانية راسخة. ففي مطلع القرن العشرين، عُرف بطريرك أنطاكية غريغوريوس الرابع حداد، بتوزيع رغيف خبز يومياً لكل محتاج، مسلماً كان أم مسيحياً، وحمل المسلمون نعشه في جنازة مهيبة. كما دعا القديس الدمشقي يوحنا الذهبي الفم، إلى "المحبة كأساس للعدالة"، وهي رسالة تتناقض مع الخطاب الطائفي السائد اليوم.
السويداء.. مرآة التحدي ونداء للبطريرك
يوجه المحامي ميشيل شماس، المقيم في ألمانيا، وعضو جمعية العدالة والقانون، نداءً للبطريرك يوحنا، معتبراً اللقاء مع الرئيس الشرع، "كسر جليد" لكنه يحذر من أن يبقى مجرد "صورة بروتوكولية".
ويدعو شماس في حديثه لـ"المدن"، إلى تحويل اللقاء لـ"فعل وطني وخطوات شجاعة تُقدّم المصلحة العليا"، مؤكداً أن التاريخ يقيس الرجال بقدرتهم على المراجعة والتصحيح. ويضيف "اليوم أمام غبطته فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره كوسيط نزيه وضمير جامع، لا كحليف للسلطة".
ويشير شماس أيضاً إلى أن "السويداء تنزف"، وأهلها يطالبون بالكرامة والأمان والاعتراف، محذراً من خطورة تجاهل المطالب أو مواجهتها بالقوة، بما قد يدفع البعض للاستقواء بالعدو الإسرائيلي. كما يدعو إلى حوار جاد يبدأ بخطوات عملية، منها رفع الحصار وفتح طريق دمشق–السويداء.
 

اللقاء.. أو الفناء
من جهته، يرى الباحث الفلسطيني في علم الاجتماع السياسي، موسى جرادات، أن اللقاء يمثل فرصة للحوار والتفاهم المتبادل. فمن جهة السلطة، هو "نافذة لفهم مخاوف المكون المسيحي"، ومن جهة البطريرك هو "محاولة لإيجاد قواسم مشتركة مع الدولة وكسر الحواجز".
ويؤكد جرادات لـ "المدن"، أن اللقاء "قد يؤسس لعلاقة مميزة مع المسيحيين، الذين لا يسعون للمشاركة في السلطة على عكس أقليات أخرى". لكنه يحذر من أن "سوريا تقف عند مفترق طرق مصيري: إما نهضة شاملة تعتمد على جميع المكونات، أو السير نحو الهاوية"، مشدداً على أن استمرار الانقسامات الطائفية دون مشروع وطني جامع يشكل وصفة قاتلة.
فيما يلفت مصدر مطلع من دمشق، تحدث لـ"المدن"، إلى أن اللقاء جاء بعد عودة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني من موسكو، "محمّلاً بتوصية أو ضغط روسي لإعادة فتح قنوات مع البطريرك يوحنا العاشر"، بحكم أن الكنيسة الأرثوذكسية "محسوبة على موسكو".
ويضيف أن اللقاء قد يشكل "رسالة إلى الخارج بأن الدولة قادرة على حماية مكوناتها"، وربما محاولة لاستعادة شرعيتها عبر رموز وطنية عابرة للطوائف. لكنه يشير إلى أن تهجير أكثر من نصف المسيحيين خلال الحرب، أضعف من قدرتهم على لعب دور الوسيط الفاعل.
 

الكنيسة.. جسر أخير لا مجرد شاهد
اللقاء في قصر الشعب لم يكن مجرد "صورة إعلامية" بل خطوة رمزية في مسار هش للمصالحة. غير أن المشهد السوري ما زال متناقضاً: بين مصافحة في القصر وصيحات انفصال في السويداء، بين إرث تاريخي من التسامح وواقع ممزق بولاءات طائفية.
نجاح هذه المصالحة لن يقاس بالصور أو تبادل الابتسامات، بل بمدى القدرة على تحويل كلمات "الوحدة" إلى ضمانات أمنية حقيقية للمواطن، وإعادة بناء الثقة عبر عدالة ملموسة. والكنيسة، بما تحمله من إرث أخلاقي، أمام فرصة تاريخية لتكون جسراً للوفاق الوطني لا مجرد شاهد على الانقسام، شرط أن تتحلى بالشجاعة للمطالبة بحقوق الإنسان فوق كل اعتبار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث