بعد أن أعرب الرئيس الايراني مسعود بزشكيان، يوم الأحد الماضي، عن قلقه الشديد بشأن أزمة المياه في إيران بالقول: "لا ماء تحت أقدامنا ولا خلف السدود ومياه الآبار نضبت"، قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد يومين في خطاب موجه للشعب الإيراني، وعوداً ليس بالمياه فحسب، بل بالحرية أيضاً.
وادعى نتنياهو أن قادة إيران فرضوا حرب الـ12 يوماً على إسرائيل، مشيراً إلى تصريحات بزشكيان الأخيرة بقوله: "إنه محق. كل شيء ينهار في حر الصيف الخانق هذا. حتى أنكم لا تملكون ماء بارداً نظيفاً لأطفالكم".
وتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي عن قدرة إسرائيل على معالجة مياه الصرف الصحي قائلاً: "تحتل إسرائيل المرتبة الأولى عالمياً في إعادة تدوير المياه. نحن نعيد تدوير 90 في المئة من مياه الصرف الصحي لدينا".
ربط الماء بالحرية
وربط نتنياهو بين معالجة أزمة المياه والحرية، أي إسقاط النظام قائلاً: "العطش للمياه في إيران لا يقارن إلا بالعطش للحرية، والآن الخبر العظيم هو أنه بمجرد أن تصبح بلادكم حرة، سيأتي خبراء المياه الإسرائيليون الأفضل إلى كل مدينة في إيران حاملين معهم تكنولوجيتهم المتقدمة ومعرفتهم. سنساعد إيران لتعيد تدوير المياه؛ وسنساعد إيران في تحلية مياه البحر".
التمرد في الشوارع!
تضمن الخطاب دعوة صريحة للتمرد: "كونوا جريئين! انزلوا إلى الشوارع، طالبوا بالعدالة، حاسبوا الحكومة، اعترضوا على الاستبداد". واكد أن الإيرانيين حُرموا 46 عاماً من أبسط حقوق الانسان، حق التعبير الحر والكتاب والتحدث، ملوحاً بكتب معارضين إيرانيين نشرت خارج البلاد. والتقط كتاب "طريق إلى الديمقراطية في إيران" للمعارض أكبر غنجي، عارضاً إياه أمام الكاميرا وكأنه دليل على دعمه لحرية التعبير.
هذا التصرف كشف بوضوح أن نتنياهو لا يعرف أكبر غنجي ولا يدرك أنه رغم كونه ناقداً لنظام ولاية الفقيه في إيران ويعيش في منفاه بالولايات المتحدة منذ نحو عقدين، إلا أن قناته على "تلغرام" هي أكثر الوسائل الإعلامية النشطة المعادية للصهيونية باللغة الفارسية. فهي تُغطي يومياً أخباراً وتحليلات جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وتصف الكيان الصهيوني بأنه "أسوأ من حكومة هتلر النازية" وترى أن نتنياهو "مجرم حرب يتجاوز هتلر في إجرامه".
سخر الإعلاميون الإيرانيون داخل إيران وخارجها من فعلة نتنياهو، بالقول: "لو كان يعلم أن غنجي يعتبره مجرم حرب وينشر يومياً عشرات المواد الإعلامية الداعمة للشعب الفلسطيني، لما حمل كتابه أمام الكاميرات، ولما تظاهر بعرضه للجمهور الإيراني بوصفه دفاعاً عن حريتهم".
الردود على نتنياهو
أما الرئيس بزشكيان فقد ردّ على نتنياهو بتغريدة في موقع "أکس" قائلاً: "إن نظاماً حرم أهل غزة من الماء والغذاء يريد أن يجلب الماء إلى الشعب الايراني! ليس هذا إلا سراب!".
أما رد أكبر غنجي كان عنيفاً جداً حيث أنه أعرب عن شعوره بالعار بعد ما حمل نتنياهو كتابه أمام الكاميرا قائلاً: "طوال الـ 25 سنة الماضية، انتقدتُ إسرائيل ونتنياهو بالفارسية والإنجليزية. في عهد أوباما، كتبتُ مقالاً في هافينغتون بوست بعنوان: (دولة إسرائيل اليهودية، دولة الفصل العنصري). كما نشرتُ مقالات نقدية لإسرائيل بالإنجليزية في (بستن ريفيو) ومجلات أخرى. إنني الآن وبعد مضي 65 عاماً من عمري أشعر بأن هذا العار الأبدي سيلازمني إلى نهاية حياتي حيث أرى أن أكبر صانع للمحرقة في القرن الحادي والعشرين، وأكبر سفاح للأطفال بعشرين ألف جريمة قتل، وأكبر إرهابي في العالم، وأكبر قواد على قيد الحياة يروج لكتابي. لو متُّ أو انتحرت من هذا العار، لما فعلت شيئاً معيباً. ولكن الله حظر علينا الانتحار".
لكن الرد العلمي والتقني الذي قدّمه الخبير البيئي محمد درويش على ادعاءات نتنياهو، المنشور في صحيفة "شرق"، يُظهر أن إسرائيل نفسها تعاني من أزمة مائية. فقد كتب درويش: "في وقت سابق، ادّعى رئيس الوزراء الإسرائيلي في رسالة مصوّرة - وهو يشرب كوب ماء - قائلاً: (نستطيع حل أزمة نقص المياه العذبة! التي تعاني منها إيران!) إلا أن الأنباء الواردة الآن من بلد نتنياهو تؤكد أنه ليس فقط عاجز عن تقديم وصفة لعلاج أزمة المياه للعالم بما فيه إيران، بل إن دولته تواجه أخطر أزمة نقص مياه عذبة منذ قرن كامل. بالإضافة إلى ظهور ظاهرة هبوط التربة وتشكّل الحفر الهوائية، فإن أهم بحيرة للمياه العذبة لديها - المقدسة لدى اليهود أيضاً - على وشك الجفاف تماماً. حتى أنهم يخططون لإنقاذ هذه البحيرة من خطر الجفاف الكامل بأغلى طريقة ممكنة، وهي تحلية مياه البحر المتوسط ونقلها إلى بحيرة طبريا، وذلك لتجنّب المشكلات الأيديولوجية وزيادة الشكوك بين اليهود المتطرفين في إسرائيل! في الواقع، برنامج الحكومة الإسرائيلية لإحياء بحيرتها المقدسة يُعدّ أمراً غير مسبوق عالمياً، ولم يقم أي بلد حتى الآن بمشروع بهذه الكلفة الباهظة لإحياء بحيرة جافة. لأن عملية إزالة الملوحة وتحلية مياه البحر تكلف حوالي 2.8 دولار لكل متر مكعب، ومن ثمّ إطلاق هذه المياه باهظة الثمن في بحيرة يصل معدل التبخر السنوي فيه إلى 4000 ملم، يُعتبر ذروة الحماقة وهدراً للمال وسلوكاً معادياً للبيئة تماماً".
يبدو أن رئيس وزراء إسرائيل، الذي فشل خلال حرب الـ12 يوماً في تحقيق أهدافه الرئيسية المتمثلة في تحريض الشعب الإيراني ضد النظام وإسقاطه، يسعى الآن - مع ظهور أزمة المياه في إيران - إلى إقناع الشعب للقيام بما عجز عن تحقيقه بالهجوم العسكري.
هل طريق حصول الشعب الإيراني على الماء أو حريته يمر عبر بحر من الدماء الذي جرّب نتنياهو إطلاقه في غزة؟
رد فعل عموم الشعب الإيراني وخاصة المعارضين الديمقراطيين يظهر أنهم لا يطلبون الحرية والماء من خلال فوهة بنادق المعتدي الأجنبي، وخطابات نتنياهو - شأنها شأن هجومه العسكري على إيران - لن تؤدي إلا إلى تعزيز دعائم سلطة نظام الجمهورية الإسلامية داخلياً.
