يشهد الجيش السوري الجديد إقبالاً واسعاً للانتساب إلى صفوفه، خلال الشهرين الماضيين. وباتت معظم مراكز التجنيد مزدحمة بالشباب المتقدمين القادمين من مختلف المناطق. ويعود هذا الإقبال الغير مسبوق، إلى مجموعة من العوامل، أهمها، الرواتب الجيدة والامتيازات التي يقدمها الجيش لعناصره مقارنة بباقي قطاعات العمل العام والخاص، إضافة إلى ما يمنحه الانتماء إلى صفوف المؤسسة العسكرية، من مكانة اجتماعية واستقرار وظيفي غير موجودة في باقي قطاعات العمل.
رواتب جيدة
وانتهت الفصائل العسكرية التي كانت تتمركز في مناطق شمال غربي سوريا، من تقديم السير الذاتية لعناصرها إلى وزارة الدفاع السورية، وعملت الأخيرة على دمجها في فرق عسكرية عديدة، وأعادت انتشارها من جديد، ولم تضَع أي شروط على عناصر الفصائل لضمهم في صفوف المؤسسة العسكرية، لكنها وضعت الكثير من الشروط على المنتسبين الجدد، كاللياقة البدنية والطول والعمر وغيرها من الشروط التي تختلف باختلاف الاختصاصات المطلوبة.
ويقول محمد حلبي، وهو أحد العناصر السابقين في الجيش الوطني، إن النسبة الأكبر من عناصر الفصائل انتسبت الى صفوف وزارة الدفاع، ليس في مناطق شمال حلب فقط، بل في إدلب أيضاً، وكانت عملية الدمج سهلة لآن سير العناصر الذاتية جاهزة لدى قيادة الفصائل، والأخيرة نسقت بشكل مباشر مع اللجان التي عينتها الوزارة لإتمام عملية الدمج.
ويضيف حلبي لـ"المدن"، أن "أكثر من 90 في المئة من عناصر الفصائل السابقين، باتوا اليوم على ملاك وزارة الدفاع، ومن ترك العمل العسكري أعدادهم قليلة جداً". ويرى أن العامل الأهم في زيادة الإقبال على الجيش، يرجع إلى وجود راتب جيد. ويوضح أن "راتب وزارة الدفاع هو الأفضل بين قطاعات العمل العام المتوفرة في سوريا حالياً، حيث يحصل العنصر الأعزب على 150 دولار كراتب شهري، بينما يحصل العنصر المتزوج على 200 دولار، ويزيد حجم الراتب كلما زادت الرتبة العسكرية حتى يصل الى حدود الـ500 دولار".
ويضاف إلى ذلك بحسب، تحديد صرف الرواتب بالدولار الأميركي بدلاً من الليرة السورية، وهو ما ينعكس ايجاباً على العناصر في ظل التغييرات المستمرة في أسعار الصرف.
ويوضح حلبي أن "عمليات إعادة الانتشار التي نفذتها الوزارة، لم تُبعد العناصر عن مناطق سكنهم، وهو ما أتاح للعديد منهم فرصة للعمل في مجال آخر، كالزراعة والتجارة وغيرها من المهن في أوقات اجازاتهم أو راحتهم بعد المناوبات، أي أن العنصر قادر على أن يزيد دخله المالي في حال رغب بذلك".
البطالة
وتحدد وزارة الدفاع في إعلانات الانتساب، الأعمار التي يمكن قبولها بالنسبة للمنتسبين الجدد، وهي بين 18 و30 عاماً، وتشترط في كثير من التخصصات توفر شهادة جامعية، أو على الأقل يتوجب على المتقدم أن يكون حاصلاً على شهادة الثانوية العامة، وفي حالات أخرى يجب أن يكون المتقدم عازباً، وهو ما يفسر الإقبال الكبير من فئة الشباب الباحثين عن العمل، وسط توسع ظاهرة البطالة في معظم المناطق السورية.
ويرى ثائر حاج عدنان، وهو خريج جامعي ينوي الانتساب الى الجيش، أن الوزارات وقطاعات العمل العام في سوريا، غير قادرة في الوقت الحالي على إعادة المفصولين من أعمالهم خلال الثورة السورية، وبالتالي هي غير قادرة على فتح باب التوظيف لأمثالي، ولا حتى في القطاع الخاص المنهار أيضاَ.
ويضيف لـ"المدن"، أن "العاطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية، أعدادهم كبيرة في سوريا، وفرصة التطوع في الجيش فرصة ذهبية يمكن أن تنقذ الآلاف من البطالة، خصوصاً في هذه الظروف التي تمر بها البلاد، والظروف المعيشية القاسية جداً".
الاهتمام والمرونة في التعامل
وفي جولتها على عدد من المقرات العسكرية للجيش في الشمال السوري، لاحظت "المدن"، الاهتمام واضحاً بالعناصر والمقرات العسكرية ومستوى الخدمات فيها، كما أن العلاقة بين القادة والعناصر اتسمت بالمرونة، وبالأخص الفصائل المتجانسة (ينحدر معظم عناصرها من منطقة واحدة)، التي اندمجت بكامل أعدادها وعتادها في الفرق التابعة للجيش، وهذا يُعتبر عامل جذب للراغبين بالانتساب للمؤسسة العسكرية، ويضاف اليه الاهتمام بالإطعام وفرض رقابة مشددة على المسؤولين عن هذا القطاع، بهدف إيصال مخصصات العناصر بدون أي نقصان.
ويقول عبد القادر أبو الحسن، وهو مساعد أول في الجيش الجديد، لـ"المدن"، إنه " لا يمكن المقارنة بين ما يحصل عليه العنصر من طعام واهتمام في الجيش السوري الجديد، وما كان يحصل عليه العنصر في جيش النظام المخلوع"، مضيفاً أن "كامل الأفراد والضباط يحصلون على وجبات طعام منتظمة ونظيفة وبكميات كافية ومتنوعة، ويشعر العنصر بالانتماء ولا يتعرض للإهانة كما كان الحال عليه أيام النظام المخلوع".
ويضاف إلى العوامل التي تدفع الشبان السوريين للانضمام في صفوف الجيش، عوامل أخرى، كالحفاظ على المكانة الاجتماعية، فالكثير من الضباط والعناصر الذين كانوا ضمن فصائل الثورة، يرون أن اندماجهم في مؤسسة الجيش يضمن لهم استمرار مكانتهم واعتراف المجتمع بجهودهم وتضحياتهم، كما يتخوف الكثير منهم من مسألة الانسحاب نحو الحياة المدنية في ظل الوضع الاقتصادي الهش. ويمكن أيضاً القول إن الانتساب إلى الجيش، يحقق قيمة معنوية ويرمز ربما إلى المساهمة في صناعة الدولة الجديدة، ويمنح وجاهة اجتماعية لا توفرها قطاعات العمل الأخرى.
ويحقق الانتساب للجيش مصالح فئات أخرى، كالقادة والعناصر في الفصائل الذين ارتكبوا انتهاكات أو جمعوا الأموال بطرق غير مشروعة. ويظن هؤلاء أن الانتساب إلى الجيش، سيوفر لهم الحماية وسيعفيهم من الملاحقة القانونية. أما الجماعات التي كانت توالي النظام المخلوع، من عشائر أو جماعات مدنية أخرى، فتدفع أبنائها للانتساب الى الجيش لتفادي المحاسبة، وكسب وجاهة اجتماعية فقدتها مع سقوط النظام.
