يبدو أن إسرائيل بدأت التمهيد اللوجستي والعملياتي لخطة احتلال مدينة غزة المُنتظر التصديق عليها يوم الأحد بعد الانتهاء من صياغتها النهائية، وذلك عبر الشروع بعملية عسكرية مكثفة في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة منذ نحو أسبوع، متضمنة نسف وتدمير المنازل والمباني المرتفعة باستخدام روبوتات مفخخة وقصف من الطائرات الحربية.
تدمير 400 مبنى
ووفق تقديرات محلية وحقوقية، فإن جيش الاحتلال دمر ما بين 350 و400 منزل ومبنى منذ 11 آب/أغسطس الحالي، أي خلال 6 أيام فقط، حيث ينفذ تسوية ممنهجة لحي الزيتون ضمن هجوم عسكري واسع النطاق يستهدف تدمير مدينة غزة على غرار ما حصل في رفح وخانيونس جنوباً وجباليا وبيت لاهيا وبيت حانون شمالاً.
وانتظر جيش الاحتلال أياماً حتى اعترف بشروع الفرقة 99 في عملية عسكرية بالحي المذكور، مضيفاً أن لواء ناحال واللواء السابع يعملان على الكشف عن "العبوات الناسفة وقتل المسلحين وتدمير البنية التحتية العسكرية فوق الأرض وتحتها".
ولكن هل تُعد عملية حي الزيتون بدء ساعة الصفر لتنفيذ خطة احتلال مدينة غزة؟ أم أنها تندرج ضمن مرحلة التهيئة اللوجستية لتطبيق الخطة؟
مقدمة لاجتياح غزة
الواقع أن ما يجري في حي الزيتون يُمكن اعتُباره جزءاً من خطة السيطرة على مدينة غزة، وأيضاً كخطوة تمهيدية في الوقت ذاته، لكن الأهم من ذلك هو دوافع الاحتلال من عمليته الحالية في هذا الحي، والأسباب التي تدفعه إلى التركيز عليه في الأيام الأخيرة، وليس أي منطقة أخرى بمدينة غزة.
وهُنا، تُجمع مصادر من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في أحاديثها لـ"المدن"، على أن الاحتلال ينفذ عملية مكثفة في حي الزيتون كمقدمة لاجتياح بري سيشمل كل غزة، موضحة أن ضرب ما تبقى من أبراج ومبان مرتفعة، بمثابة مقدمة لذلك.
وبينت المصادر أن حي الزيتون بالنسبة للاحتلال يُعد منطقة مُسيطَر عليها عسكرياً، عدا عن أنه ملاصق لمحور نتساريم وقريب من مواقع لفرق عسكرية جاهزة، تشكل نقاط انطلاق للآليات والقوات الإسرائيلية، عدا عن ضمان توفر إمداد مستمر للقوات المتوغلة، ما يعني السهولة اللوجستية للانطلاق منه كنطاق جغرافي نحو تنفيذ خطة احتلال مدينة غزة. عدا أن المسافة من جنوبها إلى شمالها تمثل "عرض المدينة"، أما طولها فهو من شرقها إلى غربها، وهو ما يعني أن الاحتلال أراد بمساره من حي الزيتون، اختصار الوقت والمسافة والجهد مقارنة بمناطق أخرى.
كما يعتقد جيش الاحتلال أنه بهذا المسار الأولي لتنفيذ الخطة العسكرية، قد ضمن تكثيف الضغط على السكان وترهيبهم، وبالتالي تسريع عملية إجبارهم على النزوح جنوباً باتجاه المواصي، بينما يتمثل الدافع الآخر من عملية حي الزيتون، في تقدير الاحتلال، أنه يضمن بهذا الأسلوب للعملية تحاشي كمائن المقاومة المفاجئة والالتفاف عليها. مع الإشارة إلى أن تل أبيب تعتبر أن خطة احتلال مدينة غزة تتطلب أسلوباً عملياتياً مغايراً لذلك الذي اتبعته خلال التوغلات السابقة في خضم الحرب المستمرة منذ 22 شهراً، نظراً لاختلاف طبيعة المهام والأهداف التكتيكية والاستراتيجية.
"الزيتون".. منطقتان!
وفي السياق، أكد الصحافي من مدينة غزة أحمد سلامة لـ"المدن"، أن حي الزيتون مقسم إلى منطقتين، الأولى في جنوب شرق غزة، وأخرى تقع في أقصى جنوب المدينة، أي أن الحي واسع ويُعد أكبرَ أحياءِ غزة وأشدَّها كثافةً.
وأشار سلامة إلى أن هناك كتلة عمرانية خرسانية كبيرة ما زالت موجودة في أحياء الزيتون والصبرة وتل الهوى والشيخ عجلين، وهي كلها واقعة جنوب مدينة غزة، ما يدل على أن إكمال تدميرها سيحتاج وقتاً كبيراً قبل الانتقال إلى حي الرمال، مضيفاً أن الاحتلال بدأ عمليته في حي الزيتون في خضم ترويج إعلام إسرائيلي للخلافات بين قيادة الجيش والمستوى السياسي في تل أبيب بشأن خطة احتلال مدينة غزة، وهو يؤشر إلى مضيه نحو تدمير كافة البنى التحتية بالمدينة.
لكن سلامة نوه بأن المدينة مساحتها أكبر من رفح والبلدات الأخرى، وفيها عدد أكبر من المباني والأبراج، وبالتالي فإن تدميرها الكامل والشامل سيتطلب وقتاً وجهداً كبيرين.
سيناريوهات التنفيذ؟
في حين، أكدت مصادر محلية في غزة لـ"المدن" أن أحد السيناريوهات المحتملة لخطة احتلال المدينة، هو الانتقال من حي الزيتون باتجاه حي الصبرة ومنه إلى تل الهوى ثم إلى البحر، وعندها يتم فصل مدينة غزة عن باقي القطاع، وهذا سيترافق مع عمليات نزوح قسرية، ولكن كل ذلك قد يتم في لحظة معينة بشكل متزامن وليس بالتتالي بالضرورة، وذلك فور انتهاء مهمة تجميع عدد ضخم من قوات الاحتياط والنظامية المكلفة بتنفيذ الخطة في حال عدم لجمها لأي سبب كان.
بكل الأحوال، تقدر مصادر "المدن" أن جيش الاحتلال يريد أن يتوسع من جنوب المدينة، بدءاً من حي الزيتون والصبرة، ليواصل سيره باتجاه الوسط والغرب بموازاة تطويق المدينة من كل الاتجاهات.
وتجدر الإشارة إلى أن خطة احتلال مدينة غزة تنطوي على بنود غير معلنة؛ لغايات عسكرية وأمنية وسياسية، عدا عن تضمنها لتكنيك الحيلة والتضليل والمفاجأة لكل من السكان الفلسطينيين والمقاومة.
