لاريجاني في بغداد.. الأمن قبل السياسة

لاريجاني
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست كسابقاتها، تلك هي الزيارة التي قام بها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، إلى بغداد ومنها إلى بيروت. فهي وإن كانت قد أنتجت إعادة صياغة إتفاق أمني كان البلدان قد أبرماه قبل أكثر من عامين، ليتلاءم ومستجدات الوضع الإيراني الحالي، الا أنها عكست صورة الحال الذي انتهى إليه النفوذ الإيراني في المنطقة والذي تراجع كثيراً عما كان عليه قبل نحو عام من الآن. 
مَثل مسار الطائرة التي أقلت الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الايراني من بغداد إلى بيروت، الحقيقة التي بات على إيران تقبلها والتعاطي معها، وهي تراجع مساحة نفوذها التي كانت تمتد من طهران حتى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، وشَكلت لسنوات عديدة ما كان يُعرف بالهلال الشيعي.
ولأن سوريا لم تعد جزءاً من النفوذ الإيراني، فقد رفضت دمشق مرور طائرة لاريجاني في أجوائها للوصول إلى بيروت. وأمام هذا الرفض وما يمثله من واقع جديد، اضطرت الطائرة التي أقلعت من مطار بغداد بعد انتهاء زيارة لاريجاني إلى العراق، التوجه شمالاً حيث الأجواء التركية ثم الانحراف غرباً نحو مياه البحر الأبيض لتصل بعد ذلك إلى بيروت.
وطوال هذه الرحلة التي تضاعف وقتها وخط سيرها عما كان عليه الأمر قبل نحو عام، لم يكن أمام لاريجاني من خيار إلا التمعن بحقيقة المآل المزعج الذي انتهى إليه حال بلاده وخسارتها جزء مهم من نفوذها والذي يمكن أن يتزايد مستقبلاً في ظل تغييرات عصفت بإيران والمنطقة، ولا يُتوقع لها أن تنتهي عند الحدود التي انتهت إليها.


أهمية الزيارة لبغداد 
اكتسبت جولة لاريجاني في محطته الاُولى في بغداد، أهمية كبيرة، خصوصاً وأنها تاتي في ظل تصاعد التوقعات التي تشير إلى أن المنطقة أصبحت على أعتاب فصل جديد من المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، الحليف الإستيراتيجي لحكومة بغداد، آخر قلاع النفوذ الايراني في المنطقة.   
عراقياً، أكدت مصادر مطلعة، أن لاريجاني الذي تم تعيينه حديثاً في منصبه، جاء وفي جعبته أكثر من ملف، أولها وأهمها أيضاً، هو البحث في كيفية مواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة وما أفرزته حرب الإثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، خصوصاً ما يتعلق بتدعيم الداخل الإيراني. وثانياً، لإنعاش ما يعرف بـ "محور المقاومة" وإعادة الروح اليه، خصوصاً بعد حالة الإحباط الكبيرة التي أصابت غالبية القوى والفصائل التي يتشكل منها هذا المحور جراء تداعيات المواجهة السابقة ضد إسرائيل وأيضا ما أفرزته الحرب في جنوب لبنان والحال الذي انتهى إليه حزب الله.
لا يختلف اثنان بشأن حساسية وحراجة الموقف الإيراني والمرحلة الحالية، خصوصاً مع تصاعد التهديدات التي أطلقها مؤخراً رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي أكد فيها أن استئناف الحرب ضد إيران أمراً ليس مستبعداً، حتى وإن لزم الأمر الذهاب إلى هذه الحرب من دون مساعدة أميركية، لاستمكال بنك الأهداف التي لم يتم التعامل معها كما يجب في حرب الإثني عشر يوماً، خصوصاً المواقع التي تمثل عناصر القوة النووية والصاروخية الإيرانية.
يقول نتنياهو في مقابلة اُجريت معه مؤخراً، إن إسرائيل لا تزال تشعر بالقلق مما وصفه باستمرار التهديد الإيراني، خصوصاً إستمرار امتلاك إيران نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، وهو ما لم تتمكن إسرائيل ومعها أميركا من تدميره في الحرب، رغم استهداف المواقع النووية من قبل طائرات أميركية والتي قال الرئيس دونالد ترامب إنها تضررت كثيراً بفعل تلك الضربات.
تصريحات نتنياهو لا تترك مجالا للشك في احتمال نشوب الحرب بين البلدين في أي لحظة، وهي القناعة التي يبدو أنها توفرت بشكل واضح لصانع القرار الإيراني الذي بدأ يعد العدة لها، وتشاركه بغداد القلق من هكذا تطور وما قد يتسببه من تداعيات على الداخل العراقي.
 

أهم بنود الاتفاق
كشفت حرب الإثني عشر يوماً، نجاح إسرائيل في اختراق الداخل الإيراني بشكل كبير من خلال وجود ما وصف بـ "الخلايا النائمة" والتي نجحت إسرائيل في وقت سابق في إنشائها داخل إيران. لعبت هذه الخلايا دوراً مهماً في المواجهة ونجحت من خلال شبكة من "المتعاونين" مع إسرائيل، بتنفيذ هجمات مسلحة من داخل إيران، خصوصاً بالطائرات المسيرة، وهو حال أزعج الايرانيون كثيراً.
تقول المصادر إن لاريجاني قدم خلال زيارته لبغداد، أدلة "معززة بمعلومات استخباراتية" أكدت أن مجاميع مسلحة كردية إيرانية معارضة، خصوصاً حزب "الحياة الحرة" الكردستاني الذي يطلق عليه اسم "بيجاك"، والحزب الشيوعي الكردستاني الإيراني والذي يطلق عليه إسم "كوملة"، قد لعبا دوراً كبيراً في مساعدة هؤلاء الذين تصفهم إيران بالعملاء من الدخول لإيران والتحرك بحرية داخلها وتنفيذ العديد من الهجمات المسلحة خلال المواجهة المسلحة ضد إسرائيل. 
وتضيف المصادر أن أهم النقاط التي تم الاتفاق عليها خلال الزيارة، هي قيام بغداد بتشديد الرقابة على الحدود المشتركة بين البلدين مستقبلاً، خصوصاً في المنطقة الشمالية لإقليم كردستان العراق، وهي المنطقة التي تقول المصادر إن صانع القرار الإيراني بات على قناعة أنها شكلت مايمكن تسمية بـ "الخاصرة الرخوة" لإيران، والتي نجحت إسرائيل في استغلالها بإدخال المتعاونين الذين يشكلون الخلايا النائمة داخل إيران ثم تزويدها فيما بعد بكل ما تحتاجه لبناء قدرات تسليحية تم استخدامها لاحقاً في حرب الإثني عشر يوماً.
ما يعزز صحة هذه التسريبات، هو التصريح الذي أعلنه لاريجاني في بغداد، والذي قال فيه إن الإتفاق يهدف إلى عدم ترك المجال للآخرين للإخلال بأمن البلدين.
رسميا، أعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أن الزيارة انتهت بتوقيع "مذكرة تفاهم أمنية مشتركة"، وصفها مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، بأنها تعني بتحييد المعارضة الكردية الإيرانية المتواجدة في أراضي إقليم كردستان وأحزابها الخمسة.
وبحسب المصادر، فان الإتفاق يقضي بانشاء خليه إستخباراتية مشتركة مهمتها تبادل المعلومات حول تحركات المجاميع الإيرانية الكردية المعارضة، والتي كان البلدان قد اتفقا قبل اكثر من عامين، على نقلها بعيداً عن الحدود الإيرانية داخل العمق العراقي. كما ينص الإتفاق على السماح للمخابرات الإيرانية بنشر خلايا تابعة لها على الحدود العراقية وحتى عبر الحدود، لمراقبة أية حركة محتملة للمسلحين الأكراد الإيرانيين في المنطقة والتي لا يزال بعضهم يتواجدون على جانبي الحدود.
وفي تصريحات نقلتها وكالة "إرنا" الإيرانية، قال لاريجاني إن الإتفاقية يمكن أن توفر أساساً لأمن مستدام لإيران والعراق، لكن الحاجة تبقى قائمة لتنفيذ ما تم الإتفاق عليه بالكامل وضرورة أن يتم وضع الية لمراقبتها من قبل الأجهزة الأمنية للبلدين.
 

الموقف الأميركي
كان متوقعاً أن هذا الإتفاق لن يروق لواشنطن، وهذا ما حصل. فقد أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض، رفض إدارة ترامب لهذا الاتفاق، وقالت إن بلادها ترفض أي اتفاق أو تشريع من شأنه تحويل العراق ليكون دولة تابعة لإيران.
هذا الإعلان أزعج حكومة بغداد، حيث أعلنت السفارة العراقية في واشنطن أن "العراق دولة ذات سيادة كاملة وله الحق في إبرام الإتفاقيات ومذكرات التفاهم وفقاً لاحكام دستوره وقوانينه الوطنية وبما ينسجم ومصلحته العليا". ووصفت السفارة في بيان، الاتفاق بأنه إجراء يهدف إلى "حفظ الأمن وضبط الحدود المشتركة بما يحقق الإستقرار للبلدين وأمنهما ويخدم أمن المنطقة ككل".
أما طهران فقد وصفت الموقف الأميريكي بأنه يمثل تدخلاً في شان داخلي غير مقبول، ودليل على النهج المزعزع للاستقرار الذي تتبعه واشنطن في المنطقة.
 

مخرجات الزيارة
ومع أن الزيارة قد خَلت من إصدار بيان مشترك يتحدث عن نتائجها، لكن ما أُعلن من تصريحات، وإن كانت مقتضبة، كانت كافية للتأكيد على بقاء الحاجة لتنسيق أمني عالِ المستوى بين البلدين لمواجهة أية تداعيات يمكن أن يسفر عنها أي هجوم إسرائيلي وشيك على إيران.
فبغداد في موقف صعب جداً، فهي لا تزال ترى في إيران حليفاً استيراتيجياً لها، ومن جهة اُخرى لا تريد التورط بأي مواجهة مسلحة يمكن أن تؤدي إلى إغضاب الحليف الأميركي الذي ترتبط معه بإتفاقية أمنية استيراتيجية. وسيتعين عليها أن تظهر أيضاً أنها قادرة على ضبط الإيقاع فيما يتعلق بعدم السماح لأي من الفصائل العراقية المسلحة المقربة من إيران، بالتورط في هذه الحرب لتجنب إغضاب الحليف الأميركي وما يمكن أن يؤدي هذا الأمر إلى عقوبات أميركية سياسية أو اقتصادية ضدها.
ومع هذه الحقائق، ومع طبيعة السياسة الإيرانية التي لا يختلف اثنان بشأنها، حيث المجهول منها أكبر بكثير من المعلن، فإن الإعتقاد الراجح أن الزيارة لم تقف عند حدود ما تم الحديث عنه في هذه السطور. فالمؤكد أن المساحة التي غطتها هذه الزيارة، لا يمكن حصرها بأمن الحدود فحسب، فهي أبعد من ذلك بكثير. لكنها بكل الأحوال تندرج ضمن استعدادات إيران التي باتت تستشعر الخطر لحرب أضحت أقرب مما قد يتوقعه البعض، والموقف العراقي الذي يسعى إلى مسك العصا من الوسط والنأي بالنفس لتجنب أي تداعيات قد تصيب الواقع العراقي القلق والهش سياسياً واقتصادياً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث