في ممرات مستشفى السويداء الوطني، حيث التقطت كاميرات المراقبة مشهداً يُجسِّد مأساة سوريا المستمرة فصولها – رجل أعزل يسقط تحت رصاص مسلحين بالزي العسكري بين جثث تنتظر الدفن وأسراب من النازحين المتسللين عبر الجبال – تبدأ حكاية فصل دموي جديد.
منذ الثاني عشر من تموز/يوليو 2025، تحولت المحافظة الدرزية إلى ساحة حرب ثلاثية تدور رحاها بين قبائل بدوية وفصائل درزية مسلحة وبين قوات الأمن العام السوري، مخلفةً وراءها أكثر من ألف و600 قتيل ونزوحاً جماعياً لـ192 ألف مدني، وفق ما رصده المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وفي نيويورك، على بعد تسعة آلاف كيلومتر من السويداء، اجتمع مجلس الأمن الدولي في العاشر من آب/أغسطس الجاري، ليصدر بياناً رئاسياً يدين العنف، لكنه يعترف ضمناً بأن السلام في السويداء أبعد منالاً من قاعات الأمم المتحدة. هنا يقدم المفكر السوري برهان غليون تشخيصاً جوهرياً يقلب البوصلة نحو الداخل: "لا أعتقد بوجود تغيير جوهري في الموقف الدولي أو الإقليمي تجاه سوريا الآن. المشكلة والحل معاً في الداخل"، مؤكداً في حديثه لـ"المدن"، تنامي أزمة ثقة خانقة نتيجة المجازر الأخيرة، والتي أثارت خوفاً مزدوجاً: خوف المؤيدين للنظام عليه، وخوف المعارضين له منه. ويطالب غليون الحكم بـ"إظهار شفافية أكبر، والإسراع في إصدار قانون للأحزاب يفتح أفق المستقبل أمام المعارضين والخائفين".
بيان بلا أدوات..
صدر البيان الرئاسي لمجلس الأمن بإجماع أعضائه الخمسة عشر، مُديناً "أعمال القتل الجماعي" في السويداء، داعياً لوقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية. لكن هذا الإجماع الشكلي أخفى تناقضاً صارخاً. ففي حين رحب المجلس ببيان الحكومة السورية المؤقتة حول تشكيل "لجنة تحقيق"، تنصل إعلام الحكومة المؤقتة من النقاط الجوهرية في البيان الدولي، وأبرزها ضرورة الانتقال السياسي وفق القرار 2254. كما تجنب الإدانة الدولية بطبيعة العنف الطائفي الذي حوّل أحداث السويداء إلى حرب أهلية مصغرة، على غرار ما شهدته مناطق الساحل قبل أشهر.
وفي تعليقه على البيان، أشار السياسي السوري أيمن عبد النور، إلى خطورة المصطلحات المستخدمة، موضحاً أن تعبير "السلطة المؤقتة" يعني اختزالها لمجرد "جزء من مكونات المجتمع" في حوارات الأمم المتحدة، وليس الطرف السوري الفاعل كدولة.
ودعا عبد النور حكام دمشق إلى "حوار وطني شامل وإعلان دستوري ينهي الصراعات، مع تطبيق ذاتي للقرار 2254 قبل فرضه خارجياً"، محذراً من أن تدويل أزمة السويداء – وهي المرة الأولى التي تُحل فيها مشكلة داخلية سورية بأطراف غير سورية – يمثل "بداية إعلان فشل صريح" قد يمتد لملفات أخرى.
من جهته، اعترف المحلل السياسي بسام السليمان المقرب من دمشق، بأن البيان الرئاسي لم يكن إيجابياً، لكنه أشار إلى أن هذا البيان يأتي في سياق طبيعي جداً، وهو ليس ملزما بطبيعة الحال، لكن في واقع الحال سيكون هذا البيان تعزيزا لوجود الأمم المتحدة ودورها وهذا يمكن اعتباره أمراً جيداً على أن "لا يتناقض مع سيادة الدولة السورية".
هي رسالة واضحة، يختم السليمان، بأن هناك مشاكل في معالجة الأمور و"دعوة للحوار مع كافة مكونات الشعب السوري".
حدود من دم.. وحوار في الفراغ
تحت رماد السويداء، يُطرح السؤال المصيري: هل تُرسم حدود سوريا الجديدة بالرصاص؟ فبينما يرى الزعيم اللبناني الدرزي وليد جنبلاط، أن "مساطر خفية ترسم حدوداً جديدة في سوريا والعراق"، يرى الدكتور رضوان زيادة أن البيان الرئاسي الصادر مؤخراً، رغم عدم إمكانية الاعتداد به كمرجع قانوني ملزم في ملف السويداء، إلا أن خطورته تكمن في كونه أول بيان رئاسي يصدر منذ سقوط نظام الأسد عملياً.
ويُحذّر زيادة في حديثه لـ"المدن"، من أن هذا البيان يُشكِّل إعادةً لتدويل الأزمة السورية، كما يُذكّر بمتطلبات العملية السياسية وقرار الأمم المتحدة رقم 2254. ويُعدّ البيان – وفق تحليل زيادة – إعلاناً واضحاً برفض الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية الحالية (الانتقالية)".
من جهته، يحلل المحامي أدوار حشوة في حديثه لـ"المدن"، البيان الدولي بحدّة، مركزاً على ثلاث نقاط. يرى حشوة في مصطلح "السلطة المؤقتة" إنكاراً ضمنياً لشرعية النظام واستقراره. كذلك، يصف الدعوة لتشكيل "هيئة حكم انتقالي" بـ"السباحة في الفراغ"، لأنها تتجاهل انتصار الثورة السورية. أيضا هاجم حشوة دور المبعوث الدولي غير بيدرسون واصفاً إياه بـ"التخريبي"، وداعياً إلى إحالته للتقاعد.
يردد بيان مجلس الأمن كالمعتاد شعار "الحل السياسي بقيادة سورية"، لكنه يتغافل عن تحول السوريين إلى رهائن في قبضة ثلاثية قاتلة: تدخلات إقليمية تزعزع الاستقرار، وإرهاب يتجدد تحت رماد الحرب، وانقسامات مجتمعية أعمق من أي وقت مضى. وعندما تعلن المتحدثة باسم الخارجية الأميركية تامي بروس، أن "السلام بين سوريا وإسرائيل ضروري"، تذكرنا بأن اللعبة الكبرى تُلعب بعيداً عن دمشق.
