أتت زيارة وزير الخارجية التركية هاكان فيدان الأخيرة، إلى سوريا، بالتزامن مع تصعيد أنقرة لهجتها اتجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، واتهامها بخرق الاتفاق مع الحكومة السورية والمماطلة في تنفيذ بنوده، دون أن تخفي قلقها من تحركات "قسد"، الأمر الذي يعتبره كثيرون تأكيداً على وجود تطورات جديدة تثير حفيظة تركيا.
وأجرى فيدان زيارة عمل إلى سوريا، هي الأولى ذات طابع رسمي، والثالثة منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، حيث التقى بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، قبل توجهه للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع.
تحذيرات تركية
وحذّر فيدان، قيادات "قسد" من المماطلة في تنفيذ اتفاقيات 10 آذار/مارس، ومحاولة استغلال ما يجري جنوب سوريا، داعياً المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، إلى الالتزام بتنفيذ التعهدات المتعلقة إيقاف أي محاولات تستهدف سيادة سوريا ووحدتها.
وأكد أن مناقشاته مع الرئيس السوري، ركزت بشكل خاص على القضايا الأمنية، والتهديدات الداخلية والخارجية لسيادة سوريا ووحدتها السياسية، مشيراً إلى المباحثات تطرقت إلى أنشطة إسرائيل، متهماً تل أبيب بالعمل على زعزعة استقرار سوريا، معتبراً أن التصدي لهذه السياسات مسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي.
وجدد في تغريدة على منصة "إكس" عقب زيارته دمشق، دعم بلاده لجهود دمشق في محاربة التنظيمات الإرهابية، واستعداد أنقرة مساعدة الحكومة السورية في إدارة وتأمين المخيمات الواقعة شمال شرق البلاد.
وفي تصريحات سابقة لفيدان نهاية شهر تموز/يوليو، طالب "قسد" بضرورة التوصل إلى حل عاجل مع دمشق دون تأخير وبشكل طوعي، تحت أنظار تركيا، حيث اعتبر استمرار وجود التشكيلات المسلحة تحت ذرائع معينة أمر غير مقبول.
وسبقت زيارة فيدان إلى دمشق، تصعيد أنقرة خطابها اتجاه "قسد"، عبر المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي اتهم قادتها بالتهرب من اتفاق آذار ومحاولاتهم التحايل لكسب الوقت بهدف تنفيذ مشاريع تستهدف وحدة سوريا وقرارها السياسي الموحد.
تحركات مقلقة
وكان لافتاً في حديث فيدان ومن سبقه من مسؤولين أتراك، التركيز على تعابير وحدة الجغرافيا والقرار السوري، في إشارة إلى رفض أي مشروع يقوّض سلطة دمشق المركزية، ما يوجز الانزعاج التركي من محاولات "قسد" استغلال الأحداث الأخيرة في السويداء لفرض واقع جديد على دمشق.
وبحسب مصادر أمنية، فإن هواجس تركيا من افتتاح ممر بري بين مناطق سيطرة "قسد" والجنوب السوري، بضغط إسرائيلي على الولايات المتحدة المتحكمة بمسار البادية السورية، قد ازدادت وبشكل كبير مؤخراً، الأمر الذي دفعها لرفع حدة الخطاب اتجاه "قسد".
وتقول المصادر لـ"المدن"، إن تحركات "قسد" الأخيرة وعملها على تقوية علاقاتها مع الشيخ حكمت الهجري في الجنوب، بهدف استغلال الدعم الإسرائيلي، والتواصل مع فلول النظام وقياداته الروحية والعسكرية، قد أغضبت أنقرة، التي ترى في هذه الخطوات تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خصوصاً مع بدء بعض الدول الأوربية محاولة استمالة دمشق للتجاوب مع مطالب "قسد" بالحكم اللامركزي وحفاظها على كتلتها العسكرية ومناطق نفوذها.
ضغوط على دمشق
ويتفق الباحث السياسي هشام اسكيف مع الشهادة السابقة، حيث يرى أن "الضغوط على دمشق تتزايد من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، تحت مسمى النصائح والتي تتدرج إلى المطالبات، وبالتالي فإن زيارة السيد هاكان تأتي ضمن مطالبات تركية لحسم ملف قسد بينما دول عدة تريد استيعاب مطالبها اللامركزية".
ويقول اسكيف لـ"المدن": "يوماً بعد آخر تتعقد مهمة دمشق أكثر، خصوصاً وأن قسد بدأت سياسة المماطلة، ما يجعل الحكومة السورية ضمن هامش مناورة ضيق وخيارات صفرية، الأمر الذي قد يؤدي لاحقاً إلى فقدان طرف أو أطراف داعمة لصالح أخرى، في سبيل عملية الخروج من شرنقة التوازنات الدولية ومصالح الدول التي دعمت سوريا الجديدة".
ولا يستبعد أن تذهب دمشق وحليفتها أنقرة إلى العمل العسكري المحدود ضد "قسد"، بهدف إجبارها على تنفيذ اتفاق آذار، رغم صعوبته وبوادر دمشق الرافضة لهذا الخيار، لعلمها المسبق بحتمية الصدام مع الدول الداعمة لـ"قسد".
وحدة سوريا والحرب على الإرهاب
بدوره، يعتبر المدير التنفيذي في مركز جسور للدراسات، أن زيارة فيدان إلى دمشق، تحمل رسائل باستمرار دعم أنقرة للإدارة الجديدة، مع وجود تنسيق عالي المستوى بين الدولتين، خصوصاً مع الحماس التركي في دعم استقرار سوريا.
ويقول لـ"المدن"، إن "تركيا حريصة على عدم تفويت فرصة محاربة الإرهاب، خصوصاً وأن نظام الأسد البائد كان من أكبر الداعمين والمستثمرين في هذه التنظيمات المعادية لتركيا، وذلك من خلال مساعدة سوريا في هذه المرحلة الانتقالية، والعمل على إعادتها لمكانتها الإقليمية لتكون ضامناً أساسياً في عملية استقرار المنطقة".
ومن هذا المنطلق، يضيف علوان أن "الاهتمام مركز حالياً على الملف الأمني على وجه الخصوص، بما يخدم وحدة الأراضي السورية وقدرة الحكومة على دمج جميع المناطق تحت نفوذها.
