بدأت اليوم أعمال مؤتمر رفيع المستوى في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، بدعوة من الجمعية العامة، لبحث سبل إحياء حل الدولتين للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، بمشاركة عشرات المسؤولين والوزراء من مختلف أنحاء العالم، ومقاطعة إسرائيل والولايات المتحدة.
ويُعقد المؤتمر الذي يستمر يومين برئاسة مشتركة لوزيري خارجية فرنسا والسعودية، وسط تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الحرب بين إسرائيل وحركة "حماس" في قطاع غزة للشهر الثاني والعشرين على التوالي. ويهدف الاجتماع إلى وضع معايير وخريطة طريق قابلة للتطبيق لتأسيس دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، مع ضمان أمن الجانبين.
كلمات مفصلية
وفي افتتاح مؤتمر نيويورك حول حلّ الدولتين، شدد وزير الخارجية الفرنسية جان-نويل بارو، على أن "لا بديل لحل الدولتين"، مؤكداً أن الاعتراف بدولة فلسطينية هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والسلام للإسرائيليين والفلسطينيين معاً. وأعلن أن باريس ستقود تحركاً أوروبياً جماعياً للاعتراف بفلسطين في الجمعية العامة المقبلة، في خطوة وصفها بـ"التاريخية والمتأخرة".
من جهته، دعا وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان، إلى "توحيد الجهود الدولية لإنهاء الحرب وضمان قيام دولة فلسطينية مستقلة"، مؤكداً أن السعودية لن تدعم أي خطة لا تشمل نزع سلاح الفصائل، والإفراج عن الرهائن، وإصلاح السلطة الفلسطينية ضمن تحالف دولي واسع أُطلق عليه اسم "التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين".
أما رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، فطالب بـ"الاعتراف الفوري وغير المشروط بدولة فلسطين"، محذراً من أن "الفرصة الأخيرة لحل الدولتين توشك على الضياع"، ومقترحاً نشر قوة دولية لدعم الإدارة الفلسطينية في غزة والضفة.
وفي كلمته، أوضح وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، أن حلّ الدولتين يجب أن يُبنى على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مشددًا على أن أي جهود سلام لا تستند إلى هذه الأسس سيكون مصيرها الفشل.
وقال إن "قطر ترى أن استدامة السلام تقتضي اعترافًا كاملاً بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
كما أكد وزير الخارجية البريطانية دايفد لامي، أن "المملكة المتحدة ترى في حل الدولتين مخرجاً أخلاقياً واستراتيجياً"، مشيراً إلى أن بلاده "تدرس الاعتراف بدولة فلسطينية في إطار دولي منسّق، بما يضمن الأمن لإسرائيل والشرعية للفلسطينيين". واعتبر أن "الوضع الراهن غير قابل للاستمرار"، داعياً إلى "وقف فوري لإطلاق النار، واستئناف المفاوضات في ظل رعاية دولية متعددة الأطراف".
وفي كلمة لافتة، انتقد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بشدة، إسرائيل بسبب "عرقلتها المتعمدة لوصول المساعدات الإنسانية إلى غزة"، ودعا إلى وضع نظام مستقل لإيصال الإغاثة تديره الأمم المتحدة، مؤكداً دعم كندا لقيام دولة فلسطينية وضرورة الإفراج الفوري عن جميع الرهائن.
خريطة طريق سياسية مطلوبة
وفي تصريحات أدلى بها قبيل انطلاق المؤتمر، أكد وزير الخارجية الفرنسية، أن "استئناف المسار السياسي نحو حل الدولتين بات ضرورة أكثر من أي وقت مضى"، داعياً إلى "إطلاق ديناميكية دولية طموحة" تقود إلى الاعتراف بدولة فلسطين. وأضاف في مقابلة مع صحيفة " لا تريبون ديمانش"، أن فرنسا "تتوقع من الدول العربية إدانة حماس والمطالبة بنزع سلاحها".
من جهتها، شددت الدبلوماسية السعودية منال رضوان، رئيسة الوفد السعودي التحضيري، على أن المؤتمر يجب أن يرسم "مساراً عملياً لا رجعة فيه" نحو السلام، يستند إلى "خطة سياسية موثوقة تعالج جذور النزاع".
وأفادت وثيقة تحضيرية أُرسلت إلى أعضاء الأمم المتحدة في أيار/ مايو أن هدف الاجتماع هو "تحديد الإجراءات الملموسة التي يجب أن تتخذها الأطراف الفاعلة كافة لتنفيذ حل الدولتين، وتعبئة الموارد الدولية اللازمة لذلك ضمن إطار زمني محدد".
غوتيريش: "نقطة الانهيار"
وفي كلمته أمام المشاركين، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بلغ "نقطة الانهيار"، مشدداً على أن حل الدولتين بات الآن "أبعد من أي وقت مضى"، وأن العالم يواجه "لحظة حاسمة تتطلب أفعالاً فورية وجريئة".
وأضاف "لا يمكن أن يكون هذا المؤتمر مجرد تمرين بلاغي. يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية، نحن بحاجة إلى أفعال ملموسة تضعنا مجدداً على طريق سلام عادل ودائم".
وانتقد غوتيريش ما وصفه بـ"الانهيار المتسارع للظروف السياسية والمعيشية" في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة الذي وصف وضعه الإنساني بأنه "مدمّر بأسرع وأكبر وتيرة من أي وقت مضى". وأضاف أن استمرار الاستيطان والعنف في الضفة الغربية يعمقان من التدهور ويقوضان أي آفاق للحل السلمي.
كما شدد على أن حل الدولتين هو "الإطار القانوني الوحيد القابل للتطبيق"، مستنداً إلى قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وعلى ضرورة أن تكون القدس "عاصمة مشتركة للدولتين" ضمن حدود ما قبل عام 1967.
وكان المؤتمر مقرراً عقده في حزيران/ يونيو الماضي، لكنه تأجل بفعل التصعيد الإقليمي، بما في ذلك هجوم إسرائيل على إيران، كما جرى تخفيض مستواه من مؤتمر لمدة أربعة أيام لقادة العالم إلى اجتماع وزاري رفيع المستوى، وأعلنت كل من إسرائيل والولايات المتحدة مقاطعتهما للاجتماع، ووصفت واشنطن المؤتمر بأنه "يضر بالجهود الدبلوماسية" لإنهاء القتال في غزة، معتبرة إياه "هدية لحماس" التي ترفض مقترحات وقف إطلاق النار.
دعم دولي واسع لفكرة الدولتين
ورغم المقاطعة الأميركية والإسرائيلية، يحظى حل الدولتين بدعم دولي واسع، ويقوم هذا الحل على إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية – الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 – تعيش بسلام إلى جانب دولة إسرائيل.
وقال غوتيريش: "المجتمع الدولي لا يمكن أن يكتفي بتأييد حل الدولتين، عليه أن يهيئ الظروف اللازمة لتحقيقه، وإنهاء الاحتلال وإحقاق الحقوق المشروعة للفلسطينيين لم يعدا يحتملان مزيداً من التأجيل".
في موازاة المؤتمر، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تصريحات صحافية، أن بلاده ستعترف رسمياً بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة في أيلول/ سبتمبر المقبل. ويُتوقع أن تنضم دول أوروبية أخرى إلى هذا المسار، وهو ما يمثل تحوّلاً كبيراً في مواقف الغرب إزاء القضية الفلسطينية. وقد اعترفت حتى الآن حوالي 145 دولة بدولة فلسطين، غير أن فرنسا ستكون أول قوة غربية كبرى تقدم على هذه الخطوة.
رفض الوقائع والمؤتمر
ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فكرة قيام دولة فلسطينية، متذرعًا بمخاوف أمنية وأيديولوجية. وتعتبر حكومته الحالية، المدعومة من تيارات قومية ودينية متطرفة، الضفة الغربية "أرضًا توراتية للشعب اليهودي". وقال المتحدث باسم البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة جوناثان هارونوف، إن "المؤتمر لا يتطرق بشكل جاد إلى قضية إدانة حماس وإعادة الرهائن"، وهو ما اعتبره سبباً لعدم مشاركة تل أبيب.
بناء مسار دولي
في المقابل، رحب الفلسطينيون بالمؤتمر واعتبروه مقدمة لقمة رئاسية مرتقبة في أيلول/ سبتمبر. وقال أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إن المؤتمر يجب أن يؤدي إلى "عملية سياسية دولية جادة تنتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة"، مؤكداً أن السلطة الفلسطينية تسعى أيضاً إلى الحصول على دعم مالي لإعادة إعمار قطاع غزة وإنعاش الاقتصاد.
وقد وزع الرؤساء المشاركون مسودة بيان ختامي غير ملزم، في الوقت الذي قد يشهد فيه الاجتماع إعلان بعض الدول نوايا الاعتراف بفلسطين. لكن غياب الولايات المتحدة، صاحبة الدور المركزي تاريخياً، وإسرائيل، الطرف الأساسي في النزاع، قد يحول دون تحقيق اختراقات فورية.
مع ذلك، تعتبر الأمم المتحدة المؤتمر نقطة انطلاق جديدة نحو تعبئة دولية شاملة لإحياء المسار السياسي المتوقف منذ سنوات، وربما بوابة لمرحلة جديدة من التحركات الأوروبية والعربية لإنهاء أطول صراع في الشرق الأوسط.
