في خضم اشتباكات الشرق الأوسط، وتحت الطاولة الدبلوماسية، قامت علاقة غير متوقعة بين طهران وتل أبيب، نسجت خيوطها من مصالح الطاقة والاستخبارات وتقاطعات الجغرافيا السياسية. لم تكن هذه العلاقة معروفة للعامة، لكنها شكلت لسنوات ركيزة حيوية في مشهد التحالفات الإقليمية. من الأربعينيات وحتى أواخر السبعينيات، اجتمعت إسرائيل وإيران، لا على حب، بل على براغماتية باردة.
البدايات
رغم أن إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي عارضت قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، فإنها سرعان ما اعترفت بإسرائيل رسمياً في آذار/مارس 1950، لتكون ثاني دولة ذات أغلبية مسلمة تفعل ذلك بعد تركيا. هذا الاعتراف لم يكن انعكاساً لتحول أيديولوجي، بل جاء انسجاماً مع "مبدأ الأطراف" الذي دعا إليه ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، والذي هدف إلى بناء تحالفات مع الدول غير العربية المحيطة بالعالم العربي، مثل إيران وتركيا وإثيوبيا.
لكن هذا الاعتراف لم يصمد طويلاً. ففي عام 1951، قطع رئيس الوزراء القومي محمد مصدق العلاقات مع إسرائيل وأغلق قنصليتها. إلا أن انقلاب 1953، الذي أعاد الشاه إلى السلطة بدعم من الاستخبارات الأميركية والبريطانية، مهّد الطريق لاستعادة العلاقات إنما هذه المرة في الخفاء.
التحالف السري
منذ منتصف الخمسينيات، بدأت إسرائيل، المعزولة عربياً والمحرومة من إمدادات الطاقة، تعتمد على النفط الإيراني لتأمين حاجاتها الحيوية. بحلول الستينيات، كانت أكثر من 90% من واردات إسرائيل النفطية تأتي من إيران. في المقابل، حصلت طهران على عملة صعبة، ونفوذ سياسي متزايد في الشرق الأوسط.
ترافق هذا التعاون الاقتصادي مع تعاون استخباراتي وأمني. فقد أرسلت إسرائيل مستشارين إلى إيران للمساعدة في مجالات الزراعة، والأمن، والتصنيع العسكري. وسمحت طهران بهدوء للخبراء الإسرائيليين بالعمل داخل البلاد. هذا التفاهم الاستراتيجي (culminated) في مشروع غير مسبوق: خط أنابيب ينقل النفط الإيراني من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط عبر الأراضي الإسرائيلية.
خط أنابيب إيلات – عسقلان
في أعقاب حرب 1967، وبعد إغلاق قناة السويس، اكتسبت فكرة بناء خط أنابيب عبر إسرائيل من إيلات إلى عسقلان زخماً استثنائياً. ففي عام 1968، وقعت الحكومتان الإيرانية والإسرائيلية اتفاقاً سرياً لإنشاء شركة مشتركة، "خط أنابيب إيلات – عسقلان" (EAPC)، بملكية متساوية بين الطرفين.
امتد الأنبوب بطول 254 كيلومتراً، بقطر 42 بوصة، قادراً على نقل 9 ملايين طن من النفط سنوياً، مع خطط لرفع طاقته إلى 50 مليون طن. وبحلول كانون الأول/ديسمبر 1969، بدأت الشحنات الإيرانية بالتدفق عبر إسرائيل. أصبح هذا الخط ركيزة استراتيجية ليس فقط لتزويد إسرائيل بالطاقة، بل أيضاً لنقل النفط الإيراني إلى الأسواق الأوروبية دون المرور بقناة السويس أو الدوران حول رأس الرجاء الصالح.
لم يمر المشروع مرور الكرام في القاهرة. ففي عام 1968، أعلنت مصر عن مشروع مضاد: خط "SUMED"، الممتد من السويس إلى سيدي كرير على البحر المتوسط. بُني الخط بدعم من دول الخليج، ليؤدي الدور ذاته الذي لعبه الخط الإسرائيلي: نقل النفط إلى أوروبا. وهكذا تحولت خطوط الأنابيب إلى أدوات صراع جيوسياسي بين محورين متضادين.
مشروع "زهرة"
من بين أكثر أوجه التحالف بين إسرائيل وإيران الشاه إثارة للجدل، يبرز "مشروع زهرة"، البرنامج السري المشترك لتطوير صواريخ أرض–أرض ذات قدرات نووية محتملة. هذا المشروع كان جزءاً من سلسلة اتفاقيات سرية وقعت في عام 1977، في ذروة التعاون بين الطرفين، حيث كانت إسرائيل تزود إيران بأسلحة ومعدات عسكرية متطورة، في مقابل استمرار تدفّق النفط الإيراني نحو الموانئ الإسرائيلية.
لكن جذور هذا التعاون تعود إلى عام 1968، حين قدمت إسرائيل قروضاً بقيمة 75 مليون دولار لطهران بهدف شراء معدات عسكرية من تل أبيب. منذ ذلك الحين، تشكلت معادلة غير معلنة بين الطرفين: "النفط مقابل السلاح"، أو بالأحرى، النفط مقابل التكنولوجيا والأسرار العسكرية.
بلغ هذا التعاون السري ذروته في مشروع زهرة، الذي عد من أكثر البرامج الطموحة والخطيرة في تاريخ العلاقة بين الطرفين. ففي نيسان/أبريل 1977، وقعت حكومة الشاه وإسرائيل حزمة من العقود تحت عنوان "النفط مقابل الأسلحة"، وكان أحدها يحمل الاسم الرمزي: "زهرة".
بموجب هذا الاتفاق، التزمت إيران بتوفير النفط لإسرائيل، في حين تكفلت تل أبيب بتزويد إيران بأنظمة سلاح متقدمة، كان أبرزها تطوير صواريخ أرض–أرض طويلة المدى.
هذه الصواريخ، التي استند في تصميمها إلى نماذج إسرائيلية قائمة، صممت لتحمل رأساً حربياً يبلغ وزنه 750 كيلوغراماً، وقابلة للتعديل لتحمل رؤوساً نووية. وعلى الرغم من أن الطرفين قررا رسمياً عدم المضي في تطوير الرؤوس النووية الكاملة، حرصاً على عدم استفزاز الحليف الأميركي، إلا أن المواصفات التقنية للصواريخ كانت تشير بوضوح إلى نية تتجاوز مفاهيم الردع التقليدي.
في العام التالي، 1978، بدأ ضباط ومهندسون إيرانيون العمل مباشرة مع نظرائهم الإسرائيليين. وتم نقل جزء من المشروع إلى الداخل الإيراني، حيث أُنشئت منشأة لتجميع الصواريخ بالقرب من مدينة سيرجان، وميدان لاختبارها في منطقة رفسنجان جنوب البلاد.
بحلول أواخر ذلك العام، كان العمل يجري بوتيرة متسارعة، في دلالة على مستوى غير مسبوق من التعاون العسكري بين طهران وتل أبيب.
والمفارقة الكبرى تكمن في أن الصواريخ التي ساهمت إسرائيل في تأسيس بنيتها الأولى، أصبحت بعد عقود توجه نحوها. فبحسب تقارير عديدة، فإن إيران استثمرت في تطوير تلك الصواريخ وأدخلتها في ترسانتها، ومن ثم زوّدت بها حلفاءها في المنطقة، الذين استخدموها في استهداف الأراضي الإسرائيلية مراراً، سواء من غزة أو لبنان أو حتى من اليمن والعراق في الآونة الأخيرة.
لقد تحول "مشروع زهرة" من رمز لتحالف خفي إلى شاهد على انقلاب المشهد الجيوسياسي، حيث باتت التكنولوجيا التي وضعت في الأصل لحماية أمن إسرائيل، سلاحاً في يد خصومها. وهذا التحوّل الجذري يكشف بوضوح كيف يمكن لعلاقات المصالح المؤقتة أن تنقلب في لحظة تاريخية، وتتحول إلى صراعات وجودية.
الثورة الإسلامية
في شباط/فبراير 1979، سقط الشاه وجاءت الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. ومعها، انقلبت السياسة الخارجية الإيرانية رأساً على عقب. قُطعت العلاقات مع إسرائيل فوراً، وتوقفت إمدادات النفط، وجُمدت المشاريع المشتركة.
استولت إسرائيل على حصة إيران البالغة 50% في شركة" EAPC"، ورفضت دفع نحو مليار دولار من مستحقات إيران. وعلى مدى عقود، خاضت طهران معارك قضائية في المحاكم الدولية. وفي 2015، حكمت هيئة تحكيم سويسرية لصالح إيران، مطالبة إسرائيل بدفع 1.1 مليار دولار، لكن تل أبيب رفضت، مستندة إلى قوانينها التي تحظر التعامل مع "دول معادية".
من التحالف إلى العداء
في الثمانينيات، أعادت إسرائيل تشغيل الخط لنقل شحنات نفطية من دول أخرى. ومع الوقت، تحول إلى "جسر بري" يمكن عكس اتجاهه لنقل النفط من المتوسط إلى آسيا، وهو الدور الذي يؤديه اليوم.
لكن ظلّ الخط شاهداً صامتاً على أكثر فصول التاريخ السياسي في الشرق الأوسط غرابةً. فرغم العداء الأيديولوجي بعد الثورة، عاد منطق "عدو عدوي صديقي" في لحظات محددة، مثل الحرب الإيرانية – العراقية، حين قدمت إسرائيل دعماً سرياً لطهران في إطار فضيحة "إيران – كونترا".
تقاطع المصالح قبل تصادم المبادئ
من الاعتراف الدبلوماسي في الخمسينيات إلى التعاون العسكري والاقتصادي في الستينيات، ومن شراكة في خطوط الأنابيب إلى خلافات في ساحات التحكيم الدولي، تختزل العلاقة بين إيران الشاه وإسرائيل دروساً عن هشاشة التحالفات التي تُبنى على مصالح عابرة. علاقة كانت براغماتية حتى الرمق الأخير، لكنها انهارت حين تغير النظام وتبدلت العقيدة.
لا يزال خط أنابيب إيلات-عسقلان يعمل، وأعيد توظيفه وربطه بشركاء جدد، ليبقى شاهداً صامتاً على حقبة مضت كانت طهران وتل أبيب تنظران في الاتجاه نفسه.
