الدم السوري على السوري حرام: وقفة احتجاجية بدمشق

دمشق - المدنالأربعاء 2025/07/16
دمشق وقفة الدم السوري حرام
الوقفة تزامنت مع غارات إسرائيلية على دمشق (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

نفّذ عشرات النشطاء السوريين صباح اليوم الأربعاء، وقفة صامتة أمام مقر مجلس الشعب السوري في دمشق، تنديداً بتصاعد العنف في محافظة السويداء جنوب البلاد، وتعبيراً عن رفضهم للغارات الإسرائيلية التي استهدفت فجراً مبنى وزارة الدفاع في العاصمة.
تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه السويداء مواجهات دموية أودت بحياة مدنيين وعناصر أمن، وسط تحذيرات من انزلاق الوضع إلى مزيد من الفوضى، خصوصاً بعد دخول إسرائيل على خط الأزمة عبر ضربات جوية استهدفت مواقع سورية حساسة.
 

صرخة ضد استباحة الدم السوري
في صمت تام، وقف النشطاء يحملون لافتات بيضاء كُتب عليها: "الدم السوري على السوري حرام" و"نرفض العدوان الصهيوني على كافة الأراضي السورية". وبحسب المنظمين، فإن الوقفة كانت تعبيراً عن صرخة إنسانية ضد دوامة العنف، ورسالة واضحة بأن استهداف المدنيين يجب أن يتوقف، أياً كانت الجهة التي تقوم بذلك.
المنتجة السينمائية والناشطة المدنية ساشا أيوب، إحدى منسقات الوقفة، ترى أن ما يجري في السويداء يعيد إلى الأذهان مشاهد مشابهة حدثت في مناطق أخرى من سوريا، معتبرة أن السكوت عن تكرار نفس السيناريو هو تواطؤ بالصمت.
وتقول أيوب لـ"المدن"، إن مجموعة النشطاء الذين تجمعوا اليوم ينتمون إلى طيف واسع من المشاركين في الحراك المدني منذ عام 2011، وهم يشعرون بأن الوقوف صامتين أمام دائرة القتل لم يعد خياراً. رغم الاتهامات التي طالتهم بالخيانة أو التشويه من بعض الأصوات في الشارع، يصرّ هؤلاء النشطاء على الدفاع عن مبدأ بسيط: لا يجوز للسوريين أن يقتلوا بعضهم البعض.
وترى أيوب أن القضية لا تتعلق بالاصطفاف مع طرف ضد طرف، فلكل مشارك في الوقفة وجهة نظره حول تفاصيل المشهد. البعض قد يختلف في توصيف المسؤوليات، لكن الجميع متفقون على النقطة الأساسية: كل السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم، سيدفعون الثمن إذا استمر مسلسل الدم.
واعتبرت أيوب أن اختيار مجلس الشعب موقعاً للوقفة لم يكن عبثياً، فالمكان يمثل، نظرياً، السلطة التشريعية التي من المفترض أن تعكس صوت الناس، حتى وإن كان دوره اليوم شبه معطل. بالنسبة لها، الوقوف أمام هذا المبنى هو جزء من محاولة استعادة المساحات العامة التي صودرت من السوريين خلال سنوات الحرب. وتقول إن هذه الخطوة هي تذكير بأن الشعب ما زال موجوداً في الساحة، رغم محاولات إقصائه.
 

طبقة جديدة من الأزمة
الوقفة، التي كان هدفها الأساسي التضامن مع المدنيين في السويداء، تزامنت مع غارات إسرائيلية استهدفت مبنى هيئة الأركان العامة في دمشق. وبحسب أيوب، فإن هذا الحدث المفاجئ دفع النشطاء إلى رفع شعارات إضافية ترفض العدوان الإسرائيلي، مؤكدة أن استهداف الأراضي السورية من الخارج مرفوض جملة وتفصيلاً، بغض النظر عن الحجج السياسية المطروحة.
وترى أيوب أن هذه الضربات تزيد الوضع السوري تعقيداً، لأنها تعمّق حالة الانقسام داخل المجتمع وتفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الدولية والإقليمية، في وقت يحتاج فيه السوريون إلى حل داخلي يوقف نزيف الدم.
 

المطالبة بتحييد المدنيين
من جهته، يشير الناشط المدني باري عبد اللطيف في حديثه لـ"المدن"، إلى أن الوقفة جاءت رداً على انتهاكات متكررة في السويداء، شملت اقتحام بيوت المدنيين، والخطف، وعمليات قتل خارج القانون. بالنسبة له، فإن المدنيين هم الطرف الأضعف، يدفعون الثمن بين صراعات الأجهزة الأمنية والفصائل المسلحة.
ويطالب عبد اللطيف الحكومة السورية بتحييد العناصر غير المنضبطة داخل الأجهزة الأمنية، مؤكداً أن استمرار الفوضى سيقود البلاد إلى مزيد من التصعيد. كما دعا إلى شفافية رسمية في تقديم رواية واضحة لما يحدث في السويداء بدل الاكتفاء بالبيانات العامة.
ويحذر عبد اللطيف من استغلال الغارات الإسرائيلية لتكريس سرديات التخوين، حيث يتهم بعض الأطراف كل من يعارض السلطة بأنه مدعوم من الخارج. ويؤكد أن هذا الخطاب يزيد الانقسام ويهدد النسيج المجتمعي السوري.
 

لا مكان للصمت بعد اليوم
الناشطة السورية بيان العدوي، من جهتها، تؤكد أن الوقفة تحمل رسالة واحدة: وقف دائرة العنف وحماية المدنيين، مع ضرورة أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في هذا الملف. وتشير إلى أن التحرك ليس موجهاً ضد طرف معين، بل هو تعبير عن تضامن إنساني مع ضحايا العنف في السويداء.
وتعتبر العدوي أن الوقوف أمام البرلمان اليوم كان فرصة لإيصال الصوت إلى الداخل، خاصة مع انعقاد جلسة للجنة تنظيم انتخابات مجلس الشعب بالتزامن مع الوقفة. ورغم إدراكها لضعف دور مجلس الشعب في المشهد السوري الحالي، ترى العدوي أن تحريك الرموز والمؤسسات العامة لصالح الشعب هو جزء من استعادة العمل المدني.
وتؤكد أن السوريين لم يعد لديهم ترف الصمت أو الانتظار، مشددة على أن المدنيين هم الخاسر الأكبر في هذه المعركة المفتوحة.
 

خلفية المشهد
تأتي هذه التحركات المدنية في وقت تشهد فيه محافظة السويداء تصعيداً أمنياً هو الأخطر منذ سنوات، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين مجموعات مسلحة محلية وقوات الحكومة السورية. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل وجرح العشرات، فيما تتزايد المخاوف من تفجر الوضع إلى صراع مفتوح.
وفي تطور متزامن، نفّذ الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم وعصره غارتين جويتين على مبنى هيئة الأركان في ساحة الأمويين وسط دمشق، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، في واحدة من أعنف الضربات التي تستهدف العاصمة منذ بداية العام.
وبرغم الأوضاع الأمنية المتوترة في دمشق، لم تتدخل قوات الأمن لتفريق الوقفة التي جرت وسط حضور إعلامي محدود. وبحسب المنظمين، فإن التحرك جاء ليذكّر بحق السوريين في التعبير السلمي عن رفض العنف، ويؤكد أن استباحة الدم لم تعد أمراً عادياً يمكن السكوت عنه.
ويأمل النشطاء أن تفتح هذه الوقفة باباً لخطوات مدنية أخرى تعيد النقاش إلى مربعه الأول: كيف يمكن للسوريين أن يحموا أنفسهم من دوامة العنف، دون استقواء بالخارج أو استسلام لمنطق القوة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث