عام 1948، تُحتل منطقة بئر السبع، ويتهجر معظم السكان إلى غزة، عاصمة اللواء الجنوبي حينها، الذي سيتقلص من 51 في المئة من مساحة فلسطين إلى 2.5 في المئة، هي مساحة قطاع غزة حالياً. كان من بين المهجرين قبيلة الترابين البدوية، التي ينتمي إليها ياسر أبو شباب، والذي صدر بيان بحقه بتوقيع "الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية" وصفه بالخائن المأجور، وأهدر دمه، بعد أن اعترف بتعاونه مع الاحتلال.
بعد التهجير، يهيم أفراد القبيلة في كل مساحة القطاع، بعد أن فقدوا أراضيهم الزراعية، وإبلهم وأغنامهم. تلك الأراضي والمواشي كانت مصدر الطعام الرئيسي لسكان القطاع، لذلك لم يكن غريباً أن يصيب الجوعُ الكثير من سكان قطاع غزة في تلك المرحلة حتى "اقتاتوا حشائش الأرض"، كما يقول حسين أبو النمل في كتاب يصف تلك المرحلة.
من جماعة إلى أفراد
تتحول القبيلة من جماعة إلى أفراد، كل يبحث عن خلاصه، من بيت حانون في أقصى الشمال إلى رفح في الجنوب، وما بينهما خانيونس وغيرها، بينما سيختار أفراد من عائلة أبو شباب أن يسكنوا منطقة معزولة شرق رفح، تسمّى الشوكة.
سيندمج أفراد "الترابين" سريعاً مع السكان في قطاع غزة، كما يقول لـ "المدن" اثنان منهم يسكنان خانيونس. غزة بمساحتها الضيقة، لا تسمح بانعزال مجموعات سكانية، كما أن انخراط الترابين مبكراً في العمل السياسي ساهم في عملية الاندماج، حتى إن القبيلة الأكبر في غزة، والتي تُقدّر أعدادها بحوالي 300 ألف، وفق مصادر غزية متعددة لـ "المدن"، لم تعد تملك تراتبية هرمية، عرفتها في بئر السبع، ويعيشها نظراؤهم من الترابين في سيناء، كما أن اللهجة البدوية التي استقدموها من مناطقهم المحتلة سرعان ما هجروها، لصالح لهجات محلية. لكن كان هناك استثناء في الشوكة.
في منطقة الشوكة المعزولة، لن يجاور عائلة أبو شباب وعائلات "الترابين" المهجرة سوى الرمل، والمياه شحيحة جداً، وهو ما يستوجب سوق الجمال والحمير عدة كيلومترات للوصول إلى مدينة رفح لجلب بعض المياه والحوائج من هناك.
سيكتسب هؤلاء القسوة مبكراً، خصوصاً مع شبه غياب لتعليم يهذبها، أو يخفف حدتها. فمدارس "أونروا" بعيدة، ونقل الطلاب فيه من الإرهاق والتكلفة المادية الكثير. سيصبح "ترابين" الشوكة، الأقل تعليماً بين كل أفراد القبيلة في قطاع غزة. "سيتحكم الجهل في سلوك كثيرين" كما يعبّر محدّثاي. لذا سيكون جزءاً من أبناء الشوكة الأسهل انزلاقاً نحو عالم الجريمة وترويج المخدرات، ومنهم ياسر أبو شباب.
تأسيس مطار ياسر عرفات في منطقة الشوكة عام 1998، بعد ثماني سنوات على ولادة أبو شباب، كان من المنتظر أن يلعب دوراً في تنمية المنطقة، لكن بعد عامين تندلع انتفاضة الأقصى، وتعود الشوكة إلى أصلها فلا تجد غير الرمل.
سنوات السجن
عندما انطلق "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان قد مضى على سجن ياسر أبو شباب ثماني سنوات، بتهمة الإتجار بالمخدرات. قصف سجن "أصداء الواقع" في خانيونس، ساعده بالفرار هو والعشرات من السجناء الجنائيين.
بعد مضي حوالي شهرين على فرارهم من السجن، اجتمعوا في منطقة الشوكة المعزولة، مستغلين قربهم من معبر كرم أبو سالم الذي يربط القطاع بالمناطق المحتلة عام 1948. وراحوا يسرقون تلك المساعدات القادمة نحو القطاع.
خلفيات المجتمعين الثقافية والتعليمية والتاريخية تكاد تكون متطابقة. فمعظمهم من منطقة الشوكة، المحافظين على لهجتهم البدوية، ما خلق تقارباً هوياتياً، أو على الأقل تناغماً اجتماعياً. وهم سجناء سابقون ليس لديهم ما يخسرونه، وتجمعهم النقمة على المجتمع، فمهم المسجونون، التي تعاني منطقتهم من الحرمان، ولم يحظوا بتعليم وافٍ يهذّب سلوكهم. يقرّ العارفون بياسر أبو شباب في حديثهم لـ "المدن" أنه ربما يملك بعض الصفات القيادية، لكن ما سهّل قيادته أن أفراد مجموعته غير متعلمين.
اقتصرت أعمال ياسر أبو شباب في بادئ الأمر على سرقة المساعدات الآتية، وحاول أن يتجنب الأملاك الخاصة، بسبب العمق البدوي في شخصيته، لأنه يخشى عملية الثأر الحاضرة في خلفيته الثقافية. كما تجنب في البداية أيضاً القتل، للسبب المذكور.
مخاوف من الثبات مع الاحتلال
ويقول محدّثاي إنه حتى شهر أيار/مايو 2024، لم يثبت تعاون ياسر أبو شباب وجماعته مع الاحتلال الإسرائيلي. وذلك لعدة أسباب: فهو لا يريد أن يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع قبيلته التي فقدت حوالي 10 آلاف شخص خلال الحرب الحالية. وثانياً لأن الكثير من الرموز الفلسطينية ينتسبون لهذه القبيلة، منهم جمال أبو سمهدانة (مؤسس لجان المقاومة الشعبية)، ومعظم كتائب أحمد أبو الريش هم من أفراد هذه القبيلة.
أما السبب الثالث والأهم أنه في قطاع غزة أي عميل سيوسم بالوصم الاجتماعي، الذي يتمدد نحو عائلته، وقد حاولت الفصائل الفلسطينية في الماضي التفريق بين العميل والعائلة لكنها لم تنجح بذلك مجتمعياً، وهناك عائلات عملاء غادرت القطاع بسبب ذلك، لأنه من الممكن جداً أن تجري مقاطعة اجتماعية كاملة لعائلة العميل.
لذا، يقول محدّثاي إنه قبل التاريخ المذكور، كانت جروح عناصر أبو شباب تتعفّن، فلا يستطيعون الالتحاق بمستشفيات غزة، ولم ينضموا للاحتلال. لكن عند دخول الاحتلال لرفح في ذلك التاريخ، وتفريغها من السكان، وكانت تأوي حينها حوالي مليون نازح، تغير اتجاه تلك المجموعة. فالاحتلال الباحث عن الفوضى، صار يؤازر المجموعة، بقصف الشرطة التي تتعرّض لهم.
وما لبث أبو شباب أن أصبح جزءاً من استراتيجية الاحتلال، فقتل مواطنين حاولوا تنظيم توزيع المساعدات. وسعى الاحتلال إلى صناعته كمرجعية، بأن يكون وسيطاً بين المعبر والتاجر في غزة، لكنه لم يحقق نتائج كبيرة.
حتى الآن، عجز ياسر أبو شباب عن استقطاب شرائح خارج منطقة الشوكة، وبقيت مجموعته بأعداد تتراوح بين 100-200، وحين اختار اسماً لمجموعته أطلق عليها "القوات الشعبية"، في استعارة تاريخية لقوات التحرير الشعبية، التابعة لجيش التحرير الفلسطيني، والتي تأسست في غزة عام 1968 لمقاومة الاحتلال. دلالة أن التاريخ حاضر في شخصيته، ودراستها اجتماعياً مفتاح لحل لغزها.
