قبل أن تشن إسرائيل حربها على إيران الشهر الماضي، تمكنت أجهزتها الأمنية من كشف شبكة تجسس واسعة النطاق تضم مواطنين إسرائيليين جندتهم طهران. الشبكة التي فاجأت حجمها السلطات الإسرائيلية، كشفت عن أسلوب ممنهج اتبعته الاستخبارات الإيرانية في استقطاب العملاء مقابل المال، وفق صحيفة "الغارديان".
بداية متواضعة... وتصعيد سريع
بحسب وثائق المحاكم الإسرائيلية بدأ التواصل مع المشتبه بهم برسائل نصية مجهولة المصدر، تتضمن عروضاً مالية مقابل معلومات أو مهام بسيطة. ومع الوقت، تصاعدت قيمة المدفوعات وخطورة المهام.
وجاء في إحدى الرسائل المرسلة من جهة تُدعى وكالة الأنباء: "هل لديك معلومات عن الحرب؟ نحن مستعدون لدفع المال"، وفي رسالة أخرى من "طهران-القدس" خاطبت مواطناً عربياً بالقول: "القدس الحرة توحد المسلمين. أرسل لنا معلومات عن الحرب"، تبع ذلك رابط لتطبيق "تلغرام" حيث بدأ التواصل المباشر، مع عروض مالية مقابل مهام بدت بسيطة، مثل تصوير مواقع أو تعليق لافتات مسيئة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حسب الصحيفة البريطانية.
مهام تصوير وتخريب... ثم الاغتيال
وتضمنت المهام التي أوكلت للمجندين تصوير منشآت استراتيجية مثل ميناء حيفا، قاعدة نفاتيم الجوية، بطاريات القبة الحديدية، ومقر الاستخبارات العسكرية شمال تل أبيب.
وأكد التقرير الصحفي الذي نشرته "الغارديان" أن بعض المجندين شاركوا أقاربهم في المهام، ما ساعد إيران لاحقاً في تحديد أهداف لصواريخها الباليستية خلال الحرب الأخيرة، وفي إحدى الحالات، كُلف مجند بتصوير منزل عالم نووي في معهد وايزمان، وهو موقع تعرض لاحقاً لهجوم صاروخي إيراني، وعُرض عليه 60 ألف دولار لاغتيال العالم وعائلته وحرق منزلهم، لكنه فشل في تنفيذ المهمة بعد منعه من دخول المعهد ليلاً.
ونقلت "الغارديان" عن خبراء قولهم: "إن الاستخبارات الإيرانية اعتمدت أسلوب "نثر الشباك الواسع"، عبر تجنيد عدد كبير من العملاء لأداء مهام بسيطة بهدف اكتشاف من يمكن تطويره للقيام بعمليات أكبر، بينما فضل الموساد الاعتماد على نخبة مدربة".
قصة مامان
وتعد قصة موردخاي "موطي" مامان (72 عاماً) الأكثر إثارة، حيث استدرجته المخابرات الإيرانية بعد أن تعثر مالياً، ودُعي إلى تركيا للقاء رجال أعمال، ثم هُرب إلى إيران داخل شاحنة، وهناك عُرضت عليه آلاف الدولارات مقابل تنفيذ مهام، بينها تهديد عملاء متقاعسين، تصوير أماكن مزدحمة، وترك أموال أو أسلحة في مواقع محددة.
وطُلب من مامان اغتيال نتنياهو أو مسؤولين آخرين مقابل 150 ألف دولار، لكنه طلب مليون دولار، مما أوقف المفاوضات، وأُلقي القبض عليه عند عودته إلى تل أبيب، وصدر بحقه حكم بالسجن 10 سنوات، حسب الصحيفة البريطانية.
حصيلة وتداعيات
ومنذ الهجوم الصاروخي الإيراني الأول على إسرائيل في نيسان/ أبريل 2024، وُجّهت التهم إلى أكثر من 30 إسرائيلياً بالتعاون مع المخابرات الإيرانية، رغم أن تلك الجهود فشلت في تحقيق هدف طهران المعلن باغتيال مسؤولين رفيعي المستوى.
وبينما نفذت إسرائيل ضربات نوعية داخل إيران أسفرت عن مقتل قادة كبار وعلماء نوويين، اعتقلت طهران أكثر من 700 شخص بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، مع محاكمات سرية وإعدامات فورية في بعض الحالات، في حين تستمر المحاكمات في إسرائيل، مع إدانة واحدة حتى الآن، وسط جدل حول أساليب إيران ومحاولاتها تجنيد جواسيس من داخل إسرائيل.
