جاء تعميم الشركة السورية للمواد البترولية بإلغاء البطاقة الذكية، بمثابة إسدال آخر ستار على نظام الدعم الاجتماعي، بعد عقود من تبني الدولة لهذا النظام الذي ينتقده المراقبون بفتحه باب الفساد الإداري والمالي على مصراعيه، لكن التأثيرات السلبية الناتجة عن خروج الدولة من دعم المواطن ستكون كبيرة، في ظل وقوع 90% من السوريين تحت خط الفقر.
غاز حر
وقالت مصادر أهلية لـ"المدن" إن نظام البطاقة الذكية تعرض لتقلص تدريجي بحيث اقتصر مؤخراً على المازوت الذي تم توزيع آخر دفعاته للمستحقين عشية سقوط النظام، وعلى مادة الغاز التي كانت متوفرة بسعرين متفاوتين، مدعوم وحر.
وأكدت المصادر أن سعر أسطوانة الغاز بعد صدور القرار الأخير غدا موحداً وبالسعر الحر (لا يقل عن 125 ألف ليرة للأسطوانة)، كما تتوفر المادة بشكل طبيعي ومستقر لكنها معرضة للقفزات السعرية التي يفرضها العرض والطلب.
وأعلنت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية – محروقات، عن إنهاء العمل بنظام الدور الإلكتروني والبطاقة الذكية لتوزيع مادة الغاز المنزلي، اعتباراً من 6 تموز/يونيو 2025.
وبحسب التعميم، فإن العمل بنظام التوزيع الحالي، الذي يعتمد على تقسيم الكمية المحملة للمعتمدين بنسبة 50% عبر البطاقة الذكية و50% خارجها، سيستمر حتى اليوم السبت فقط.
وأكد التعميم أنه سيتم اعتبارا من غداً الأحد، إلغاء العمل بالدور الإلكتروني والبطاقة الذكية واستبداله بإعداد دور تحميل للناقلين مع الاستئناس باستجرارات المعتمدين، واستمرار تنزيل الكميات على جهاز (بي أو سي).
وتم العمل بنظام البطاقة الذكية منذ العام 2019 جراء شراكة بين الحكومة السورية وشركة "تكامل" المنفذة للمشروع، وتعد البطاقة نظاماً رقمياً لضبط وتوزيع الدعم الاجتماعي المقدم من الدولة، وكانت المواد المقدمة عبر هذا البرنامج تشمل الخبز والوقود والسكر والشاي والرز.
لا دعم اجتماعي بعد الآن
ويرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر لـ"المدن"، أن الحكومة السورية تتبع نهجاً جديداً قائماً على إلغاء الدعم الاجتماعي، تم على مراحل، آخرها كان إلغاء دعم أسطوانة الغاز، ما يعني عملياً إلغاء مشروع البطاقة الذكية لأن كلّ المواد صارت تُبَاع بسعر السوق، بدون دعم مباشر.
وبالرغم من إيجابية هذا التوجه بالنسبة لخزينة الدولة، كونه يُوفر أكلافاً كبيرة ويُقلّل الهدر والفساد، إلا أنه يزيد من حدة الضغوط المالية على الأُسرة السورية، بحسب السيد عمر، الذي يوضح أن هذه الضغوط لا يمكن معالجتها من خلال زيادة الأجور والرواتب، كون نسبة كبيرة من الأُسر لا تمتلك موظفين يعملون في مؤسسات الدولة.
ويلفت إلى أن ملف الدعم الاجتماعي كان أداة للفساد الإداري والمالي، وهذا ما كان مُلاحظاً خلال حُكم النظام البائد، ففي عام 2024 كانت فاتورة الدعم الاجتماعي 35 مليار ليرة، لكنَّ هذا الرقم الضخم لم ينعكس على تحسين جودة الحياة.
اقتصاد السوق الحر
من جهته، يضع الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، إلغاء البطاقة الذكية ضمن توجه الحكومة السورية نحو تطبيق نموذج اقتصاد السوق الحر، ما يعني خروج الدولة من مسار دعم المواطن بالمحروقات أو المواد التموينية، موضحاً في حديث لـ"المدن"، أن الخطة واضحة في هذا الصدد، حيث يتم إلغاء جميع آليات الدعم الاجتماعي وعلى رأسها البطاقة الذكية، لكن هذا لا يلغي تقديم الدولة في المستقبل لأشكال أخرى من الدعم مثل إعانات البطالة ورفع رواتب الموظفين وغيرها من أشكال الدعم الموجودة في اقتصاد السوق الحر.
ويرى الدبس أن تطبيق هذا النظام بشكل فوري والخروج من ربقة اقتصاد السوق الاجتماعي، سينعكس سلباً على المواطن، بسبب تردي الواقع المعيشي ووصوله إلى أرقام غير مسبوقة، على الرغم من توفر معظم المواد الأساسية لكن بالسعر الحر.
وبالرغم من استمرار معاناة المواطن معيشياً، يتوقع الدبس عدم لجوء الحكومة السورية إلى أي شكل من أشكال الدعم الاجتماعي، موضحاً أن الوضع الاقتصادي للدولة لا يتحمل تقديم هذا الدعم في ظل ضعف السيولة وفراغ الخزينة العامة، لدرجة صعوبة تأمين رواتب الموظفين، فضلاً عن دعم السلع والمحروقات.
