الأربعاء 2022/08/03

آخر تحديث: 18:34 (بيروت)

مقتل الظواهري والأسئلة الأميركية الملّحة

الأربعاء 2022/08/03 محمد العزير
مقتل الظواهري والأسئلة الأميركية الملّحة
بايدن وفريقه الأمني خلال اجتماع "تصفية الظواهري"
increase حجم الخط decrease
أعاد إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن الاثنين، مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في عملية عسكرية بعد استهدفته في العاصمة الأفغانية كابول، طرح أسئلة "الحرب على الإرهاب" التي بدأت عقب هجمات القاعدة على نيويورك وواشنطن في 11 أيلول/سبتمبر 2001، مضافاً إليها سؤالين جديدين؛ الأول عن مصير اتفاق الدوحة الذي سحبت بموجبه الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان مقابل تعهد طالبان بعدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين، والثاني عن دور باكستان في رعاية التنظيمات "الجهادية"، كما صب الكثير من المياه في طواحين السجال الأميركي الداخلي المحتدم.
لم تكن الأهداف السياسية الداخلية لحرص بايدن، المحجور صحياً بسبب إصابته بفيروس كوفيد19، على تولي الإعلان شخصياً خفية على الاعلام الأميركي الذي سارع في سياق تغطيته الواسعة للحدث الى الربط بينه وبين الانتخابات التشريعية التي ستجري في 2 تشرين الثاني/نوفمبر، والتي يخشى حزب الرئيس من خسارة فادحة فيها تزيد من ترهل الإدارة التي كان انسحابها من أفغانستان بالطريقة المذلة التي حصلت سبباً مبكراً في تراجع شعبية بايدن ومادة دعائية غزيرة في أيدي الجمهوريين الذين لا يفوتون فرصة للتذكير به وعطفه على التضخم الاقتصادي الذي ينهش من رصيد الديمقراطيين باعتبارهم الحزب المسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
فما أن انهى بايدن كلمته التي نقلتها القنوات الأميركية في ساعة الذروة، حتى بدأت وسائل الاعلام الأميركية في نشر المعلومات والتسريبات عن العملية. وقالت شبكة "ان. بي. سي" إن الظواهري كان يقف على شرفة المنزل الذي يعيش فيه وكان إلى جانبه أفراد من عائلته الا أن أحداً غيره لم يُصب بأذىً في العملية التي نفذتها طائرة مسيرة. ونقلت شبكة "أي. بي. سي" عن مسؤول في المخابرات قوله إن الظواهري كان تحت المراقبة لعدة أشهر حين انتقل الى العاصمة الأفغانية كابل ليعيش في بيت قريب من قصر الرئاسة الأفغاني تعود ملكيته لوزير الداخلية في حكومة طالبان سراج الدين حقاني الذي يتزعم ميليشيا كبيرة تحمل اسم والده الراحل جلال الدين حقاني ويتولى منصب نائب زعيم طالبان، والذي ظهر أمام المراسلين للمرة الأولى في حفلة تخرج للشرطة في أيار/مايو.
وقالت شبكة "سي ان. ان" إن بايدن كان طوال فترة التحضير للعملية حريصاً على تفادي وقوع أية خسائر مدنية، حتى لو كان من أفراد عائلة الظواهري. واعتبرت في تحليل لها أن العملية "تسديد لآخر فاتورة مستحقة بعد هجمات 11 أيلول"، وأشارت الى أن الرئيس بايدن سيوظفها في تعزيز موقفه الداخلي عشية الاستحقاق الإنتخابي في تشرين الثاني، ولتصحيح جزء من صورة الانسحاب المرتبك من أفغانستان والتأكيد على جدية تعهده بمنع تحول أفغانستان الى معقل للإرهاب من جديد.
واستضافت الشاشات خبراء تناولوا تفاصيل العملية وتبعاتها. الجنرال المتقاعد الذي خدم في العراق والشرق الأوسط بيري مكافري اعتبر أن مقتل الظواهري إنجاز مهم للأمن الأميركي ورأى أن العملية كانت دقيقة وصعبة بعد مغادرة الأميركيين لأفغانستان وهذا ما أضعف القدرات الميدانية ورسالة لطالبان التي تسعى الآن لأي اعتراف دولي يخفف من الأزمات الاقتصادية والغذائية، وإنذار واضح لباكستان لتنتبه الى الدور الذي تلعبه في دعم المنظمات الإرهابية، مشيراً الى أن علاقات حقاني القوية بالمخابرات الباكستانية يوحي بأن باكستان متواطئة كلياً في دعم الإرهابيين، وحثّ الإدارة الأميركية على السعي دبلوماسياً للتخفيف من غلواء عداء طالبان لأميركا. 
وقال المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية جون برنين إن العملية التي نفذتها الوكالة تؤكد عزم الإدارة على ملاحقة الإرهابيين وأتفق مع رأي مكافري حول الدور الباكستاني، معتبرًا أن المنصب الحكومي لحقاني وموقعه في طالبان يعنيان أن العلاقات بين الحركة والقاعدة في طور الانبعاث من جديد برعاية باكستانية وأن على واشنطن معرفة الدور الباكستاني الخطير "لأن الظواهري انتقل الى كابل من باكستان بمعرفة المخابرات الباكستانية ورعايتها بسبب العلاقة الوثيقة التي تربطها بشبكة حقاني".  أما سلفه الجنرال ديفيد بيترايس فقال إن العملية بينت أن المخابرات الأميركية لاتزال قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة ومهمة في أفغانستان انطلاقاً من القواعد المنتشرة في المنطقة واستناداً إلى المعلومات المستقاة من عملاء ميدانيين. الا أن التأخر ليومين حتى التأكد من نجاح العملية يكشف ضعف التواجد الأميركي المباشر.
يتضح من الآراء والتحليلات الأولية بأن سياسة استهداف "الإرهابيين" عن بعد بواسطة الطائرات المسيرة تكتسب شرعية نخبوية شعبية تخفف كثيراً من وقع الإعتراضات الحقوقية والأكاديمية التي ترى فيها طريقة قتل غير أخلاقية وغير جائزة ولا تخضع لأي معايير قانونية أو دولية أو أية مساءلة نظامية، وتعفي الإدارة من مسؤولياتها الدولية كما تمنع أي احتمال ملاحقة للمنفذين أو أية عدالة للضحايا. سيكون من الصعب على النشطاء الحقوقيين اكتساب أي دعم شعبي لحملاتهم الهادفة إلى وقف العمليات السرية والتي لا تتبع الأصول الدولية.
الأمر الآخر الملفت في آراء المعلقين، وخصوصاً ذوي الخبرة العسكرية، هو الاتفاق الواضح على عدم قدرة تنظيم القاعدة على تنفيذ أعمال انتقامية كبيرة رداً على مقتل الظواهري، حيث لم يعد لدى التنظيم إمكانات كافية لاستهداف الأميركيين أو المصالح الأميركية، وكذلك الاستنتاج بأن طالبان التي اكتفت ببيان استنكار غامض للعملية، ليست في وارد الإنتقام، بل ستسعى الى ترميم اتفاق الدوحة بطريقة لا تزيد من الانقسامات الداخلية فيها.
وفي حين وازنت وسائل الإعلام المستقلة والليبرالية بين استعراض التاريخ الدموي للظواهري ومسؤوليته عن الكثير من العمليات ضد أهداف ومصالح أميركية ودوره في تأسيس الحركات "الجهادية" واعتماد العنف المسلح ضد أهداف مصرية، وبين مستقبل العلاقة مع طالبان ومآلات الوضع في أفغانستان، أصر الإعلام اليميني المحافظ ولاسيما شبكة "فوكس نيوز" على التقليل من شأن العملية واستضاف سياسيين وخبراء مناوئين لبايدن لتكرار مقولة أن نجاح العملية "يثبت أن قرار الانسحاب من أفغانستان كان خطأ لأنها عادت جنة للإرهابيين".
بانتظار ما سيحمله الإعلام من تفاصيل لابد من نشرها في الساعات والأيام القليلة المقبلة، سيبقى باب السجال الأميركي مفتوحًا كالعادة وستزداد الأسئلة التي أعادها مقتل الظواهري إلى التداول.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها