الأربعاء 2022/06/22

آخر تحديث: 13:29 (بيروت)

استعادة سوريا وسط الحرائق

الأربعاء 2022/06/22 صبا مدور
استعادة سوريا وسط الحرائق
increase حجم الخط decrease
لم يأتِ ذكر سوريا ضمن أجندة الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي جو بايدن في المنطقة أواسط تموز/يوليو، لكن كل النقاشات التي يريد خوضها لن تتخطى سوريا، ففيها يدور الصراع بين إيران وإسرائيل، وفيها تستقر روسيا التي باتت تتعامل مع الوجود الأميركي المحدود هناك، كعنصر ضغط على واشنطن في الملف الأوكراني، وفي شمالها تحتاج الولايات المتحدة إلى ترتيبات تمنع أن تكون قواتها وسط معركة متوقعة بين حلفائها الأكراد وبين القوات التركية المتحفزة لبدء عمليتها المعلنة لإقامة شريط أمني عازل.
تجاهلت الولايات المتحدة طويلا مصير سوريا، بل أنها في لحظة غير مفهومة، لم تعارض وجودا روسيا ثابتا هناك، وكان ذلك في زمن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي كان تخطى قبل ذلك خطوطه الحمر، وكان معه نائبه آنذاك جو بايدن ذاته، فسمحا لموسكو أن تدعم بقاء الأسد الموشك في حينه على الهزيمة أمام المعارضة، ولم يكترثا من قبل ومن بعد بالتغول الإيراني، ولا بالجرائم التي ارتكبها الجميع ضد الشعب السوري.
وهو يهرع إلى المنطقة، يقول بايدن إن الأمن القومي لإسرائيل هو سبب أساسي لزيارته، وفيما ينفي أن يكون الأمر مرتبط بسعيه الفاشل حتى اللحظة لانخراط السعودية في حملته ضد روسيا وزيادة انتاجها من النفط لخفض الأسعار، فهو يصر على أنه مهتم بحضور اجتماع قمة موسع في السعودية يشمل دول مجلس التعاون ومصر والأردن والعراق، ويضيف أن الأمر يتعلق بقضايا أكبر بكثير من الارتباط بقطاع الطاقة.
لا شيء يدعو للشك بحديث بايدن، لكن وجوده في هذه القمة المنتظرة، وفي سياق صراع واضح المعالم مع روسيا والصين يشارك فيه الغرب بقوة وحماسة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، وفي خضم فشل محتمل لمساعي العودة للاتفاق النووي مع إيران، وصراع خشن للأخيرة مع إسرائيل، وتهديدات بحرب شاملة، وبناء تحالف دفاعي يضم إسرائيل ودول عربية بقيادة أميركية، كل ذلك يجعل وجود بايدن مهما لما يتجاوز بكثير زيارة المجاملة أو ترطيب الأجواء مع الرياض الغاضبة من مواقفه، أو التأكيد على دعم تقليدي لا يحتاج لإعادة تأكيد لحليفه الإسرائيلي.
ولكن أين سوريا في هذه الخارطة المعقدة؟ وهل يمكن أن نشهد متغيرات تعيد بناء المقاربات الأميركية التي يبدو أنها تعود للمنطقة بعدما وضعتها إدارة بايدن من قبل في ذيل قائمة أولوياتها؟
الرؤية الأميركية حول سوريا، لم تنفصل في أي وقت عن نظيرتها الإسرائيلية، ومن الناحية الواقعية، لم يصدر عن إسرائيل الرسمية ولا عن أي من مراكز دراساتها أو سياسييها ما يشير إلى رغبة او حاجة لإسقاط الأسد، وربما كان العكس هو الصحيح، فالثورة السورية أربكت الحسابات الإسرائيلية التي كانت معتادة على قواعد لعبة ثابتة ومريحة مع النظام السوري طوال ال50 عاما الماضية، ولذلك فما تسرب من مقاربات إسرائيلية كان يتعلق بمنع الوجود الإيراني في سوريا من تهديد الأمن الاسرائيلي، وهو ما كان جزءا من تفاهمات مع روسيا التي كانت تسيطر على الأجواء السورية، وعلى قواعد عسكرية في جنوب وجنوب غرب البلاد تمنح إسرائيل بعض الهدوء.
لكن القواعد تبدلت بعد اضطرار روسيا لإخلاء قواعدها في وسط سوريا تحت ضغط الحرب الأوكرانية. من ناحية وجدت إسرائيل في ذلك فرصة كي تستخدم طائراتها في قصف ما تراه مهددا لها، خارج القيود التي كانت روسيا وضعتها من قبل، لكنها ايضا أدركت ان في الأمر مخاطر كبيرة، بعدما ملأت إيران فراغات الانسحاب الروسي، وبدأت فعليا، حسب تصريحات إسرائيلية، بإرسال صواريخ دقيقة وطائرات مسيرة إلى مواقع يمكن أن تطال منها أجزاء واسعة من فلسطين المحتلة، وكان قصف مطار دمشق في العاشر من حزيران/يونيو هو أحد تداعيات القرار الإسرائيلي لمنع ذلك.
هنا، لم يعد الهدف الإسرائيلي يقتصر على إبعاد إيران عن مناطق التهديد المحتمل، بل خروجها الكامل من سوريا، وهذه المقاربة، تشمل جميع الميليشيات المدعومة إيرانيا بما فيها حزب الله اللبناني، لا سيما وأن نظام الأسد لم يعد يواجه تهديدا عسكريا حقيقيا، وصار ممكنا أن تتولى دول عربية طبعت علاقاتها معه ومع إسرائيل في نفس الوقت تقريبا، أن تبادر إلى إعادة ادماجه في المحيط العربي، وربما تطرح مقاربات سياسية جديدة لحل الأزمة السورية بشكل يتلاءم نسبيا مع القرارات الدولية.
هذه الرؤية الخاصة بسوريا، هي جزء متصل بقوة بالهدف المعلن من التحالف العربي الإسرائيلي الجديد لمواجهة إيران، وفي جوهر مباحثات بايدن المرتقبة مع زعماء المنطقة، على اعتبار أنه من العبث البحث عن مقاربات لإنجاح هذا التحالف بدون التعامل مع القضية السورية.
المشكلة هنا، أن سوريا ستعود كما كانت من قبل، مجرد جسر لخدمة آخرين، إيرانيون كانوا أم إسرائيليون أم أميركيون أم روس... الخ، أما الشعب السوري وحقوقه، ومصير الملايين من معتقليه ومشرديه لاجئين ونازحين، وهدف العدالة والقصاص من المجرمين، وبناء أسس انتقالية سليمة لحكم رشيد دون الأسد ونظامه، كل ذلك سيكون مجرد تفاصيل غائبة لخدمة الهدف الأساس المتمثل بحماية أمن إسرائيل.
وفي كل الحالات فهذه الرؤية، ما زالت في بدايتها، وما زال هناك الكثير مما يمكن أن يحصل بين الطرفين المتنازعين على الأرض السورية، لاسيما وأن إيران تدرك أن مهمتها لم تعد حماية الأسد، بل الاستفادة من سيطرتها على سوريا، لفرض نفوذها في المنطقة كلاعب رئيسي، مستفيدة بالطبع من الانسحاب الجزئي لروسيا، التي كثيرا ما كانت تعوق الأهداف الإيرانية.
ندرك أن سوريا ستكون في قلب المتغيرات الجوهرية وربما العنيفة الممكنة في المنطقة، لكن ما يعني الشعب السوري هو البحث عن فرصة وسط هذه المعسكرات والمحاور المتقابلة، ليستعيد حقوقه، ويحقق العدالة المفقودة. وما يهمنا ألا تمضي هذه المعادلات الجديدة أيا كانت على حساب السوريين من جديد، وحقوقهم بالحرية والكرامة واستعادة بلدهم من خاطفيه، ومن يدري فقد تتكفل حرائق المتصارعين بذلك؟
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها