image
الخميس 2022/11/10

آخر تحديث: 15:19 (بيروت)

تسييس الكرات الصغيرة قبل المونديال

الخميس 2022/11/10 صبا مدور
تسييس الكرات الصغيرة قبل المونديال
© Getty
increase حجم الخط decrease
لستُ مولعة بكرة القدم، لكني ظننت على الدوام أن الرياضة هي إحدى اقوى وسائل القوة الناعمة، بل هي مفاتيح للأبواب الموصدة، تسبق السياسة وتهيء لها الأجواء والظروف. وليست دبلوماسية ال"بينغ بونغ" عنّا ببعيدة.
في ذلك الوقت، قبل خمسين عاماً تنبّه العالم إلى أن "الكرات الصغيرة تدفع الكرات الكبيرة"، وكانت زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون للصين، كرة كبيرة كسرت جليداً سميكاً بين الدولتين، مهدت لها "كرة المضرب الصغيرة" ومعها أصبح للرياضة مهام وأدوار تتعدى خوض المنافسات وحصد الألقاب والكؤوس إلى فتح مغاليق السياسات وبناء الثقة والتقارب بين المتخاصمين.
يقع مونديال قطر في قلب هذه المعادلة المعنوية، وهنا يتجاوز المعنى اجتماع العالم في مكان واحد، فذلك يحدث في كل مونديال، ومع كل أولمبياد. المعنى الحقيقي في مونديال 2022 أنه سيحدث في الشرق الأوسط، في دولة خليجية عربية مسلمة، حيث ما زال العالم يخزن صورة نمطية مشوهة حول رقعة جغرافية يظن البعض أنها مكان تأكله الحروب ويرتع فيه الارهاب، وتنزوي فيه النساء، ويسيطر فيه الرجال على آبار النفط وهم يحملون الخناجر.
ميزة مونديال قطر أنه سيأتي بالعالم إلى الشرق الأوسط، ليكسر قوالب الدعايات الممتدة منذ عقود، بدءاً من أفلام هوليوود إلى مناهج التعليم وأكاذيب السياسيين، وهذا لوحده إن حصل فسيكون مكسباً لا يُقدر بثمن، ليس لقطر وحدها بالطبع، بل لكل الدول العربية، وأولها دول الخليج العربي.
هنا، نبهتني حملة الأيام الآخيرة لتشويه المونديال والتشويش عليه، إلى إدراك البعض خطورة معانيه. لا يمكن أبداً تفهم توقيت الهجوم الذي تشنه بعض الدول قبل أيام من بدئه إلا بكونه محاولات للعرقلة أو للتشويه أو ربما للضغط على الدولة المضيفة، بغرض الحصول على مكاسب وربما امتيازات غير مشروعة. وسيتعرض أي موقف مشكك إلى استهجان عميق، بعدما صمت مرددوه 12 عاماً منذ فازت قطر بحق تنظيم المونديال، ليهتموا الآن فقط بما يزعمون الاهتمام به رغم أن الحدث بات في ربع الساعة الأخير قبل انطلاق صافرة البداية.
نظرياً، تشترك دول غربية عديدة في تقديم صورة نمطية سلبية عن العرب والمسلمين، وسيكون طبيعياً أن نسمع منها الأفكار العنصرية نفسها، مفترضة أن حملة التضليل ستكون ممكنة ويسيرة على أساس الاعتبارات القديمة السائدة: دول ديكتاتورية تنتهك حقوق الإنسان وتنتج الإرهاب، ولا تصلح لاستضافة مناسبات عالمية. مشكلة هذا المنطق أنه لم يعد صالحاً في عالم صغير يسمع فيه الناس آراء متضاربة، غالبيتها تمتدح ما قامت به قطر تهيئةً للبطولة، ومع لعبة لا يريد المليارات من المغرمين بها أن تشوهها السياسة وحسابات النظرات المسبقة.
لا يبدو أن حملات الدول المعنية ستحقق شيئاً سوى التسبب بتوتر لمنتخباتها المشاركة، فالمونديال سيُقام رغم كل شئ وسيكون الأفضل في التاريخ حسب رئيس الفيفا، وهو ذاته دعا أيضاً المنتخبات المشاركة في المونديال إلى "التركيز على كرة القدم" والتوقف عن "توزيع الدروس الأخلاقية". 
فرنسا قالت إن بعض مدنها لن تضع شاشات عملاقة في الساحات العامة لنقل المباريات، سيكون ذلك مزعجاً بالطبع لبعض المشجعين في هذه المدن، لكن أي تأثير يمكن أن يحدثه القرار مع توقع أن  يشاهد 5 مليارات شخص النهائيات العالمية المقبلة في قطر، أي ما يتجاوز نصف عدد سكان العالم.
وقد يكون ملفتاً أيضاً أن تقوم دولة مثل الدنمارك، سبقت الجميع في حملات ترحيل اللاجئين السوريين، بانتقاد ملف حقوق العمال الأجانب في قطر، حتى أنها تريد إلباس لاعبيها زياً احتجاجياً أسود. في واقع الأمر لا يمكن النظر إلى ذلك إلا بكونه نمطاً من الازدواجية في أكثر الأوصاف لطفاً، حيث لا يمكن الركون لمواقف دولة ما في ملف حقوق الانسان، حينما تتعامل مع اللاجئين الأجانب بمعيار لون البشرة.
ولنكن واضحين، لم يكن مقدراً أن يمر مونديال قطر دون عقبات أو محاولات عرقلة، وقد حدث كل ذلك خلال السنوات الماضية بطرق أشد إيلاماً، وبعضها كان فظاً وعدوانياً، وهناك من بذل الكثير من الجهد والمال للتشويش أو التخريب، لكن جرى تجاوز كل ذلك، والمونديال الذي نال أكبر قدر من محاولات التسييس بالمعنى السلبي، يقترب من يوم الافتتاح، وسيكون كما أُريد له منذ البداية، مناسبة للافصاح عن قدرة العرب على الحضور الدولي، واحتضان واحد من أكبر المناسبات الرياضية أهمية في العالم.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها