آخر تحديث:15:28(بيروت)
الثلاثاء 28/09/2021
share

تونس:الرئيس يستكمل انقلابه..ويخاطر بأزمة وطنية

المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات | الثلاثاء 28/09/2021
شارك المقال :
تونس:الرئيس يستكمل انقلابه..ويخاطر بأزمة وطنية © Getty
أعلن الرئيس التونسي، قيس سعيّد، مساء 22 أيلول/سبتمبر 2021 تعليق معظم فصول الدستور، وتولي السلطتين التشريعية والتنفيذية بنفسه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وتولي إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالنظام. لا تشكّل هذه الإجراءات المتوقعة مفاجأة، ولكنها ربما تزيل الغشاوة عن أعين من فضلوا إنكار الحقيقة والعيش في عالم الخيال؛ إذ تمثل المرحلة الثانية الحاسمة في عملية انقلاب الرئيس على الدستور، والتي بدأت في 25 تموز/ يوليو 2021 حين تمت إقالة رئيس الحكومة، وتعليق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه. وقد جاءت إجراءات سعيّد الأخيرة، وسط تصاعد الأصوات المحذرة من عودة البلاد إلى الحكم الفردي، وتوسع الحراك الاحتجاجي الميداني، وفي ظل مصاعب اقتصادية واجتماعية متفاقمة.

الرئيس مشرِّعًا ومنفِّذًا
تضمنت الإجراءات التي أصدرها الرئيس سعيّد، ونُشرت في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، أربعة أبواب. يتعلق الأول منها بالأحكام العامة التي تخص "الإجراءات الاستثنائية"، بينما تناول الباب الثاني "التدابير الخاصة بالسلطة التشريعية"، وخصص الباب الثالث لـ "التدابير الخاصة بممارسة السلطة التنفيذية"، أما الباب الرابع فقد ورد في شكل "أحكام ختامية".
أكدت ديباجة الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021، تحت عنوان "تدابير استثنائية"، أن "الشعب التونسي عبّر، في أكثر من مناسبة، عن رفضه للآليات المتعلقة بممارسة السيادة وطرق التعبير عنها"، وأن "دواليب الدولة تعطلت وصار الخطر لا داهمًا بل واقعًا وخاصة داخل مجلس نواب الشعب"، في حين أكد الباب الأول من الأمر تواصل الإجراءات التي اتخذها سعيّد في 25 من تموز/ يوليو، في خصوص تعليق جميع اختصاصات مجلس النواب ورفع الحصانة عن أعضائه، وأضيف إليها وقف المنح والامتيازات المسندة لرئيس المجلس وأعضائه.
وبناء على استمرار تعليق اختصاصات مجلس النواب، أحال الأمر الرئاسي، في بابه الثاني، مهمة إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية إلى رئيس الجمهورية الذي يصدرها في شكل "مراسيم رئاسية" ويختمها ويأذن بنشرها "بعد مداولة مجلس الوزراء". وتتعلق المراسيم الرئاسية بجميع المجالات والاختصاصات؛ كالعدالة والإعلام والأحزاب والنقابات والجيش والأمن والتعليم والصحة والأحوال الشخصية والعقوبات والمالية والانتخابات والبيئة والوظائف والسلطات المحلية والهيئات الدستورية، وغيرها؛ وهي مراسيم "لا تقبل الطعن بالإلغاء".
وفي الباب الثالث المتعلق بممارسة السلطة التنفيذية، أسند الرئيس سعيّد لنفسه "تمثيل الدولة وضبط سياستها العامة واختياراتها الأساسية"، وتولي "القيادة العامة للقوات المسلحة"، و"إحداث وحذف وتعديل الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها"، و"إقالة أعضاء الحكومة"، و"التعيين والإعفاء في جميع الوظائف العليا". وفي حال شغور منصب رئيس الجمهورية، نص الأمر الرئاسي على أن رئيس الحكومة يتولى مهمات الرئاسة؛ وإذا حصل له مانع، يفوض الأمر إلى وزير العدل، أما الحكومة فمهمتها هي "السهر على تنفيذ السياسة العامة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية"، وهي مسؤولة أمامه دون غيره.
وبخصوص الدستور، نص الأمر الرئاسي على تعطيل العمل بجميع الفصول باستثناء "التوطئة والبابين الأول والثاني منه وبجميع الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع هذا الأمر الرئاسي"، كما نص على "إلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين"، وعلى "تولي الرئيس إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي".
بإصدار هذا الأمر الرئاسي، ينتقل سعيّد إلى مرحلة جديدة من إجراءاته التي بدأها مساء 25 تموز/ يوليو، عنوانها الأبرز تركيز كل السلطات التنفيذية والتشريعية في يديه. ورغم أنه لم يعلن، رسميًا، عن حل البرلمان وإلغاء الدستور فإن تفاصيل الأمر الرئاسي، في جوهرها، تعدّ تعليقًا صريحًا للعمل بمعظم فصول الدستور؛ لقد عطل سعيّد الدستور عمليًا، وأنشأ نظام حكم رئاسوي. لقد انقلب على أهم إنجازات الثورة التونسية، وهو دستور 2014 الذي يكفل الحقوق والحريات، ويوزع السلطات بين رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان، وينظم التوازن والرقابة المتبادلة فيما بينها؛ في حين يظل التأكيد على الحفاظ على توطئة الدستور وبابَيه الأول والثاني لا قيمة سياسية له؛ إذ يتعلق هذا الجزء من الدستور بمسائل من قبيل مدنية الدولة ودينها وحدودها وعلمها ومهماتها. وفي كل الأحوال، وبحكم الأمر الواقع، فإن المرسوم الرئاسي الأخير، في جوهره، هو إعلان دستوري مؤقت وطيٌّ لصفحة دستور 2014؛ هذا إذا لم يدافع الشعب التونسي ونخبه عن دستورهم.
وفي السياق ذاته، يشير قرار استمرار تعليق اختصاصات البرلمان لأجل غير مسمى، ووقف مِنح أعضائه، وتولي الرئيس سعيّد جميع مهمات السلطة التشريعية، وإلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين، وتشكيل لجنة تعمل تحت إشرافه لإعداد مشاريع التعديلات الدستورية، إلى أن حل البرلمان بات أمرًا واقعًا، وإن لم يعلن عنه رسميًا.
وبتعليق العمل بجميع فصول الدستور المتعلقة بنظام الحكم، والفصل بين السلطات، والهيئات الدستورية، وتولي كل المهمات التنفيذية والتشريعية، وتحصين قراراته من الطعن، وإلغاء أي رقابة دستورية على الأوامر والمراسيم الرئاسية، يتحول الرئيس سعيّد، عمليًا، إلى حاكم مطلق في نظام رئاسوي يصادر فيه الرئيس كل السلطات والاختصاصات.

ردات الفعل على قرارات الرئيس
شهدت مواقف مختلف الأطراف السياسية من قرارات الرئيس سعيّد الجديدة تحولات واضحة؛ فقد تراجعت بعض الأحزاب عن دعمها للرئيس، الذي أعلنته في وقت مبكر من الانقلاب على الدستور، بينما تحولت مواقف أحزاب ومنظمات أخرى من الدعم المطلق للرئيس إلى الدعم المشروط بوضع خريطة طريق والحفاظ على المكاسب التي تحققت منذ الثورة. وسبق أن سخر الرئيس بحق من مصطلح خريطة الطريق. فهو يعرف ماذا يريد وإلى أين يتجه؛ ومن يطالب بخريطة الطريق يتهرب من مواجهة خطة الرئيس الواضحة والمتجلية في تصريحات علنية ومعدة مسبقًا، والتي أقدم عليها بتشجيع من قوى سياسية تجاهلت أقواله وتصرفاته، ورفعت الخصومة الحزبية فوق مهمة حماية النظام الديمقراطي.
 ويبدو موقف حزب التيار الديمقراطي الأكثر تدرجًا من التأييد إلى المعارضة وصولًا إلى رفع غطاء الشرعية عن إجراءات الرئيس ووصف خطوته الأخيرة بـ "الانقلاب". فقد أصدر الحزب بيانًا مشتركًا مع أحزاب الجمهوري، والتكتل الديمقراطي، وآفاق تونس، اعتبر فيه أن الرئيسَ بات "فاقدًا للشرعية بخروجه عن الدستور"، وأن "كل ما بني على هذا الأساس باطل ولا يمثل الدولة التونسية وشعبها ومؤسساتها"، محملًا إياه "مسؤولية كل التداعيات الممكنة لهذه الخطوة الخطيرة".
وفي السياق ذاته، أصدرت أحزاب الاتحاد الشعبي الجمهوري، وحراك تونس الإرادة، وحزب الإرادة الشعبية، وحركة وفاء، بيانًا مشتركًا أعلنت فيه تشكيل "الجبهة الديمقراطية" لـ "تنسيق جهودها في مواجهة انقلاب قيس سعيّد"، مؤكدة أن "شاغل منصب رئاسة الجمهورية التونسية أصبح فاقدًا للشرعية بعد الإجراءات الجديدة التي أعلنها وتأَكَد بها خروجُه عن الدستور وتمرده على القانون".
وعدّت حركة النهضة الإجراءات الأخيرة التي عمد إليها الرئيس "نزوعًا واضحًا نحو حكم استبدادي مطلق وانقلابًا سافرًا على الشرعية الديمقراطية وعلى مبادئ الثورة التونسية وقيمها"، وأن "هذا التمشي غير الدستوري يضيف إلى أزمات البلاد المعقدة أزمة شرعية الحكم بما يهدد كيان الدولة التونسية ووحدتها ويدفع بالبلاد إلى منطقة مخاطر عالية غير مسبوقة في تاريخ تونس". 
أما الاتحاد العام التونسي للشغل، وإن أبقى على تحفظاته على إجراءات الرئيس وموقفه الحذر، فإن تحولًا لافتًا بدا في بيان مكتبه التنفيذي الأخير؛ إذ نبّه إلى "مخاطر تجميع السلطات في يد رئيس الدولة في غياب الهياكل الدستورية التعديلية"، معتبرًا "تعديل الدستور والقانون الانتخابي شأنًا يخصّ جميع مكوّنات المجتمع من هياكل الدّولة ومنظّمات وجمعيات وأحزاب وشخصيات وطنية"، رافضًا "احتكار رئيس الجمهورية التعديل"، معتبرًا ذلك "خطرًا على الديمقراطية".
في المقابل، جددت خمسة أحزاب، بينها حركة الشعب، وحركة البعث، والتيار الشعبي، تأييدها للرئيس وأثنت على مرسومه الأخير، ووصفته بـ "الخطوة الهامة في اتّجاه تجذير خيار القطع مع عشرية الخراب والدمار والفساد والإفساد ومع خيارات حكومات لم تكن سوى واجهة لحكم بارونات المافيا بقيادة حركة النهضة وحلفائها"، داعية "القوى التقدمية والوطنية إلى الانخراط في مسار تصحيح الثّورة التي انحرفت بأهدافها الأطراف التي حكمت البلاد طيلة العشرية الأخيرة".
إلى جانب الأحزاب والمنظمات، برز فاعل جديد، تمثّل في حراك مدني حمل اسم "مواطنون ضد الانقلاب"، نظّم وقفة احتجاجية وسط العاصمة، في 19 أيلول/ سبتمبر 2021، رفع خلالها شعارات منددة بالرئيس وقراراته، ودعا للعودة إلى المسار الدستوري ونبه من مخاطر الحكم الفردي الاستبدادي. وكان نجاح التحشيد لهذه الوقفة وكسر حاجز الخوف، الذي أعقب 25 تموز/ يوليو، دافعًا لهذا الحراك لحشد الآلاف في مسيرة وسط العاصمة، يوم 26 أيلول/ سبتمبر 2021، رغم التضييق الأمني وإغلاق مداخل العاصمة ومنع آلاف المحتجين القادمين من مدن أخرى من الوصول إلى مكان التظاهرة. ولم يقتصر الحراك الميداني يوم 26 أيلول/ سبتمبر على العاصمة؛ فقد شهدت مدن أخرى وسط البلاد وجنوبها وقفات احتجاجية ومسيرات رافضة لقرارات الرئيس.

خيارات سعيّد في مواجهة معارضيه
رغم أن التحول الذي شهدته مواقف الأحزاب والمنظمات والاتحاد العام للشغل يمثّل مؤشرًا مهمًا على انحسار الجبهة الداعمة للرئيس، فإن ظهور الحراك المدني واتساعه، من الناحية العددية والجغرافية، قد يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الرئيس في الفترة المقبلة، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وفشل الرئيس في تحقيق وعوده بمعالجتها، إضافة إلى تنامي التضييق على الحريات والحقوق.
وقد نأى حراك مواطنون ضد الانقلاب، الذي يقف وراء احتجاجات 19 و26 أيلول/ سبتمبر، بنفسه عن أي تيارات حزبية أو أيديولوجية، واكتفى بشعارات رافضة للحكم الفردي والانقلاب على الدستور، وبالدعوة للعودة إلى المسار الديمقراطي، والحفاظ على الحقوق والحريات ومكتسبات الثورة. ورغم المشاركة الواضحة لقواعد بعض الأحزاب، فإن الوجوه العامة التي سجلت حضورها كانت، في مجملها، من الأكاديميين والحقوقيين والمدوّنين والمثقفين. وساهمت الأزمة الداخلية التي تشهدها حركة النهضة، وارتباك موقفها من انقلاب الرئيس على الدستور، واستقالة أكثر من مئة من قادتها ومنتسبيها، وتأثر قدرتها على الحشد والتنظيم، في ابتعاد الشارع المعارض للرئيس عن ثنائية الاستقطاب بين النهضة والرئيس؛ التي تروّج لها بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية، وإدراك أن الاستقطاب هو بين الديمقراطية ودولة المواطنة من جهة والعودة إلى حكم الفرد من دون ضوابط جهة أخرى. 
وفي السياق نفسه، يبدو التعامل الأمني مع الاحتجاجات متوازنًا حتى الآن، باستثناء بعض التضييقات التي تعرض لها الوافدون إلى ساحات التظاهر، من خلال غلق الطرقات المؤدية إلى وسط العاصمة، غير أن ذلك قد لا يدوم طويلًا إذا عمد الرئيس إلى إصدار تعليمات لقوى الجيش والأمن بقمع الاحتجاجات، وهو خيار غير مضمون النتائج.
لا شك في أن الشارع التونسي منقسم بشأن الموقف من الانقلاب الرئاسي على الدستور، غير أن معارضي الرئيس، بعيدًا عن جدل الأرقام، أكثر تنظيمًا ووضوحًا في شعاراتهم ومطالبهم، وفي وازدياد، في حين يفتقد داعمو الرئيس إلى مشتركات واضحة، وغير قادرين على التعبئة؛ وقد ظهر ذلك جليًا في الوقفة التي دعت لها التنسيقيات الموالية للرئيس، يوم 25 أيلول/ سبتمبر؛ ولم يتعد عدد المشاركين فيها بضع عشرات اكتفوا برفع شعارات داعمة للرئيس وحرق نسخ من الدستور واتهام خصومهم بالإرهاب واللصوصية ووصمهم بالعمالة للخارج. وبناء عليه، فإن فرضية "شارع مقابل شارع" تظل مستبعدة، في حين تظل معادلة "شارع مقابل أجهزة أمنية" احتمالًا قائمًا وغير مضمون النتائج؛ لأنه يتوقف على المدى الذي يذهب إليه الجيش والأجهزة الأمنية في دعم الرئيس وحجم المعارضة الشعبية.

خاتمة
مثّل الأمر الرئاسي الذي أصدره الرئيس سعيّد، في 22 أيلول/ سبتمبر 2021؛ والذي علّق، بمقتضاه، معظم فصول الدستور، وتولى بموجبه جميع السلطات والصلاحيات التنفيذية والتشريعية، طورًا جديدًا من الانقلاب الرئاسي على الدستور، الذي قاده في 25 تموز/ يوليو. وفي مقابل ذلك، تصاعدت حدة المعارضة لإجراءات الرئيس، وشهدت مواقف عدد من الأحزاب والمنظمات والنقابات تحولات جوهرية في الآونة الأخيرة. وفي خضم هذه التطورات، يظل الحراك الاحتجاجي الميداني المتصاعد التحدي الأكبر الذي يواجه الرئيس في الفترة المقبلة. ورغم أن سعيّد قد يعمد إلى خيار القمع الأمني وتوظيف أجهزة الدولة لمواجهة الاحتجاجات، فإن مثل هذا الخيار غير مضمون النتائج، وقد يؤدي إلى تصاعدها ودخول البلاد في دوامة من الاضطرابات، في وقت تتصاعد فيه حدة الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وتحتاج فيه ميزانية الدولة إلى اعتمادات مالية طائلة للإيفاء بالتزاماتها الداخلية والخارجية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها