آخر تحديث:20:59(بيروت)
السبت 06/03/2021
share

رمي الأطفال..ظاهرة خلقتها الحرب السورية وضاعفها الفقر

منصور حسين | السبت 06/03/2021
شارك المقال :
رمي الأطفال..ظاهرة خلقتها الحرب السورية وضاعفها الفقر © Getty
شهدت ظاهرة الأطفال المُتخلى عنهم انتشاراً متزايداً في المجتمع السوري خلال الأشهر القليلة الماضية، جراء الفقر المدقع الذي يدفع الأهالي إلى رمي أبنائهم، فضلاً عن أسباب أسرية ومجتمعية أخرى أنتجتها سنوات الحرب.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد بلغ عدد الأطفال مجهولي النسب ممن عثر عليهم في مختلف أنحاء البلاد قرابة 70 طفلاً، في حين تحدث مركز "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" عن إحصاء ما لا يقل عن 43 طفلاً خلال عام 2018 والنصف الأول من عام 2019.

رضع يصارعون الموت
وتنامت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، إذ يتم العثور على ثلاثة إلى أربعة أطفال شهرياً في الشمال السوري حسب المرصد السوري، كانت آخرها قبل أيام، لرضيعة وُجدت مرمية بجانب إحدى الطرق في مدينة دركوش بريف إدلب الغربي، ملفوفة بقطعة قماشية وموضعة داخل علبة كرتونية، إلا أنها كانت قد فارقت الحياة بسبب البرد والجوع.

وقال الناشط العامل في مجال الإغاثة وائل النبهان: "يعد الوضع المادي من أهم أسباب انتشار هذه الظاهرة، مع انعدام فرص العمل وخسارة المأوى ومصدر الدخل بالنسبة للكثيرين، ما يجعل من أي فرد جديد عالة إضافية على الأسرة".

وأشار النبهان إلى مشكلة ثانية تتعلق بانتشار ظاهرة الزواج المبكر، حيث نشاهد عشرات الحالات من الأمهات الأرامل أو المطلقات لم يتجاوزن سن الثامنة عشرة، مسؤولات عن إعالة طفلين أو أكثر. وأضاف أنه "في الكثير من الأحيان لا تملك القاصر الحبلى معيلاً آخر في حال مقتل الزوج، الأمر الذي يزيد وضعها سوءاً ويدفعها إلى ترك الرضيع في مكان يسهل على المارة رؤيته، خاصة وأن المنطقة تعاني من ضعف دور المؤسسات الانسانية المهتمة بهذا النوع من الحالات".

أزمات وعراقيل مختلفة
أما في مناطق سيطرة النظام، فقد حملت ظاهرة الأطفال مجهولي النسب أوجهاً متعددة إلى جانب رميهم، أبرزها المعوقات القانونية التي تواجه الأمهات اللواتي تزوجن في مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة وفقدن أزواجهن، حيث ترفض دور القضاء الحكومية تسجيل الطفل لوالده دون وجود وثيقة رسمية معترف بها حكومياً تؤكد زواجها.

وقبل أيام تحدثت الممثلة السورية هدى الشعراوي عن مشاهدتها لرجل يبيع أحد أبنائه البالغ من العمر ست سنوات، في حي "باب السريجة" بدمشق القديمة، مقابل الحصول على المال الكافي لإعالة بقية أفراد أسرته.

وعرّف قانون الأحوال الشخصية المولود الذي نبذه أهله خوفاً من الفقر أو فراراً من تهمة الزنا ب"اللقيط"، ويأخذ حكم مجهول النسب، ويقيد في الأحوال المدنية في موقع خاص ويختار أمين السجل المدني إسماً ولقباً له ويسمي له أباً غير معين مع لفظ جهالة نسبه.

ويوضح المحامي عبد الناصر حوشان أن المادة 479 من قانون العقوبات قد نصت على عقوبة كل من يودع ولده مأوى اللقطاء أو يكتم هويته بالسجن من شهرين إلى سنتين سواءً كان الولد من زواج شرعي أو غير شرعي، و المواد 484 الى 487 من قانون العقوبات أيضاً تعاقب على تسيب الاولاد بسجن الولي من 3 أشهر الى ثلاث سنوات.

ويشير إلى أن "اللقطاء" يعانون جراء هذا الفعل "من اعتلالات نفسية ناتجة عن التصور المسبق لكلمة لقيط أو مجهول النسب لدى المجتمع، مما يؤدي إلى انحراف وجنوح الأطفال، كما يدفعهم إلى الجريمة و يكونوا عرضة للتحرش الجنسي و التجنيد في الحروب والنزاعات المسلحة".

وعن دور المؤسسات الطبية والأمنية يجيب عبد الناصر: "لا تتحمل أي من المؤسسات الأهلية والحكومية المسؤولية، إذ تقع هذه الأفعال بغفلة عنها وفي بعض الأحيان يرمى الرضيع قبل تسجيله أو بعد الخروج من المشفى، إلا أنه يمكن الاستفادة من توثيق سجلات المشافي حالات الولادة واسم والدي الطفل، لمعرفة نسبه لاحقاً في حال اعتراف الأهل به".

مطالب بحملات توعوية
وكان ناشطون من المجتمع المدني وشخصيات معارضة، قد طالبوا بالعمل على رفع الوعي الأسري بين السوريين، خاصة في المخيمات الحدودية، ومنع زواج القاصرات والعمل على نشر ثقافة العلاقة الجنسية الآمنة.

وتقول مسؤولة قسم العنف القائم على النوع الاجتماعي في منظمة "بنفسج"، إن "التوعية وتحسين الأحوال المعيشية للأسرة، واستبدال فكرة السلال الاغاثية بالمشاريع الصغيرة التي تدرّ دخلاً مادياً، إضافة إلى الوقوف عند رغبة اليافعين بمتابعة تعليمهم عوض الزواج، تعتبر الطريق الصحيح للقضاء على هذه الظاهرة المؤلمة".

وتضيف "نعمل حالياً على مشروع نادي الأمهات الصغيرات ممن لم يتجاوزن سن الرشد، عبر جلسات أسبوعية نعطى خلالها معلومات نفسية، تتعلق بتعلم مهارات الحياة ومواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي والجندري، وكذلك معلومات طبية تشمل مراحل الحمل والإرضاع وتنظيم الأسرة ورعاية الأم والجنين".

وتعتبر ظاهرة رمي الرضع والخدج وبيع الأطفال من الظواهر الجديدة على المجتمع السوري، التي أفرزتها سنوات الحرب، وما نجم عنها من تدهور للواقع الاقتصادي والمعيشي، فعلى الرغم من تجريمها دينياً واجتماعياً وقانونياً، والمعاناة التي سترافق الطفل، إلا أنها آخذة بالازدياد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها