آخر تحديث:18:13(بيروت)
الإثنين 14/09/2020
share

وفاة محمد مخلوف..من سيردع بشار الأسد عن رامي؟

المدن - عرب وعالم | الإثنين 14/09/2020
شارك المقال :
وفاة محمد مخلوف..من سيردع بشار الأسد عن رامي؟
مع إعلان عائلة مخلوف رحيل مدبّرها على مدى العقود الخمسة الماضية، محمد مخلوف، يمكن القول عملياً وبشكل جدي هذه المرة، أن مرحلة آل مخلوف قد شارفت على نهايتها بشكل كامل من الحياة العامة في سوريا.

فمخلوف الأب الذي رافق زوج أخته، حافظ الأسد، منذ سيطرته على الحكم عام 1970 كواجهة اقتصادية للسلطة السياسية، والرجل الذي كان مناطاً به إدارة أموال وثروات الأسد من مواقعه، بداية في مؤسسة التبغ ووزارة النفط، ولاحقاً في المصرف العقاري، وبعده في مرفأ اللاذقية والمناطق الحرة،، يغادر وعلاقة عائلته مع عائلة الأسد في أسوأ حالاتها.

والواقع أن تدهور العلاقة بين الأسرتين لم يبدأ عندما أطل رامي مخلوف، خليفة والده منذ العام 2000 في إدارة أموال الأسرة الحاكمة، في أول تسجيل يشتكي فيه الظلم ويوجه من خلاله التهديدات للنظام، في أيار/مايو الماضي، بل كانت إرهاصاته قد بدأت تتضح قبل ذلك بثلاثة أعوام تقريباً، مع الإعلان عن وفاة أنيسة مخلوف، والدة رئيس النظام وعمة رامي، عام 2016.

لاحظ الكثيرون إثر ذلك جفاءً في العلاقة بين الشباب من أبناء الأسرتين، ثم على صعيد الكبار الذين بدأت زياراتهم المتبادلة تصبح أكثر محدودية وفي المناسبات الرسمية فقط، وهو ما لم يكن بحاجة إلى تفسير بالنسبة للمطلعين على تفاصيل هذه العلاقة، الذين كانوا يعلمون عن خلافات مالية بين آل الأسد وآل مخلوف، الخلافات التي كانت ستتطور سلباً وفي وقت مبكر جداً لولا أن والدة رئيس النظام تدخّلت للحد من تفاقمها على الطريقة التي جرت بها لاحقاً.

لكن البداية الحقيقية للأزمة بين الجانبين يعيدها المطلعون إلى العام 2012، عندما شعر العجوز محمد مخلوف بالمرض، وقد بلغ حينها الثمانين من عمره، فقرر التوجه إلى روسيا من أجل الراحة والعلاج، وهناك طاب له العيش بعيداً عن صخب الحرب في سوريا، وجدل المال والسياسة الذي تركه وهو يظنه آمناً بين يدي الأبناء.. بشار الأسد ورامي مخلوف.

غادر مخلوف الأب وآخر ما كان يفكر به أنه يمكن لهذه العلاقة الصلبة بين الأسرتين، التي امتدت على مدى نصف قرن من تحالف السلطة والمال، أن تتعرض لهزة تزعزها، ولذلك وجد نفسه مضطراً من حين لآخر للتدخل بين أبنائه وابني أخته لحل اشكالات كان آل الأسد يقبلون بحكمه فيها احتراماً لمكانته، لا عن رضى وتسليم.

ورغم أن العام 2016 شكل نقطة التحول الكبرى على صعيد هذه العلاقة من جهة الأسد، ليس فقط بسبب وفاة أنيسة مخلوف وبالتالي تخففه من جزء كبير من أسباب مهادنته ابن خاله رامي مخلوف، بل وكذلك بسبب تفاقم مرض خاله الذي ظل يُظهر كمّاً معتبراً من الاحترام له حتى رحيله، لكن تدهور حالته الصحية ابتداءً من ذلك العام جعل رامي مخلوف يخسر الكثير.

تختلف التقديرات حول أسباب انقلاب أبناء الأسد على آل مخلوف، لكن الرواية الأرجح هي شعور بشار الأسد بتضخم دور أولاد خاله خلال فترة الحرب بشكل يهدد سلطته، خاصة بعد أن جرى إتهام العميد حافظ مخلوف، شقيق رامي مخلوف ورئيس اللجنة الأمنية المسؤولة عن حماية دمشق بالمسؤولية عن اقتحام "جيش الإسلام" لمدينة عدرا العمالية "للتغطية على صفقة فساد كبيرة تتعلق بشراء الحكومة أطنان من القمح لم تصل إلى البلاد، وذهبت قيمتها لجيب العميد حافظ مخلوف عام 2014".

وبغض النظر عن صحة هذه الرواية، إلا أن الثابت هو إقالة حافظ مخلوف من منصبه في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، ليغادر فوراً إلى روسيا، بعد أن سمح له بشار الأسد بإخراج جزء من أمواله فقط وليس كلها، رغم أن قراره الأولي كان مصادرة جميع ممتلكاته، لكن تدخل والده محمد مخلوف وعمته أنيسة مخلوف خفّفا من شدة العقوبة.

يروي مقربون من رامي مخلوف عن إفصاح الأخير عن جفاء بدأ يعامله به بشار الأسد منذ ذلك الوقت، لكنه كان يعتقد أن إبن عمته لن يستطيع إلحاق الضرر به، ليس فقط بسبب وجود كل من والده وعمته إلى جانبه، وهما اللذان لا يرفض الأسد الابن طلباً لهما، بل وكذلك بسبب حاجته الماسة إليه، كما اعتقد دائماً، لحيازته كافة الأوراق المالية التي تمتلكها العائلتين بيده.

وإلى جانب ذلك، بدأ رامي مخلوف بالتحرك لبناء قاعدة شعبية يمكن أن تسانده في أي لحظة اضطرارية داخل الطائفة العلوية، بهدف تقوية أوراقه في أي مفاصلة كان يراها قادمة لا محالة بينه وبين آل الأسد، خاصة إذا ما توفي الشخصان الذان كانا يكفان يد بشار عنه. وكان تقدير مخلوف الابن أن ضعف النظام العسكري وتعرضه لضربات مؤلمة قد يكون فرصة بالنسبة له من أجل بناء قوة عسكرية موازية لحمايته في المستقبل، خاصة وأن هذا خياراً كان من السهولة بمكان بحيث أصبح أي أحد قادر على تأسيس ميليشيا تحت شعار "الدفاع عن الوطن ومحاربة الإرهاب".

في أيلول/سبتمبر عام 2015 شعر رامي مخلوف بجرعة إضافية من النشوة مع إعلان روسيا تدخلها العسكري المباشر إلى جانب قوات النظام في سوريا، وحسب مقربين منه، فإن ابن خال "الرئيس" بات يتحدث عن أنه هو ووالده صاحبا الفضل في إقناع الروس بهذا التدخل، بسبب العلاقة الخاصة التي تجمعهما بموسكو، وخاصة ب"يفغيني بريغوجين" المعروف ب"طباخ بوتين"، وما يجعل من هذه الرواية ذات مصداقية، هو الهجوم الذي شنته وسائل الإعلام التابعة ل"بريغوجين" على بشار الأسد والنظام منذ تصعيدهما ضد رامي مخلوف ابتداء من أيار/مايو 2020.

بل إن رامي مخلوف، ودائماً حسب المصادر ذاتها، بدأ يتصرف على هذا الأساس الذي أقنع نفسه به، وهو أن الروس لم يكن ليأتوا إلى سوريا لولا عائلته، فبدأ بالعمل على زيادة أعداد الميليشيا العسكرية التابعة له، وفي إغداق الأموال على ذوي قتلى وجرحى الجيش والشبيحة من الطائفة العلوية، الأمر الذي يثير حفيظة بشار الأسد بلا شك.

واجه الأسد ابن خاله بضرورة التوقف عن التصرف بهذه الطريقة، لكن رامي مخلوف تجاهل الأمر في البداية، قبل أن يظهر بعض التحدي لاحقاً، ورغم أن وفاة عمته أنيسة قد اعتبر بمثابة خسارة إحدى أهم نقاط القوة بالنسبة له، إلا أنه استمر في المواجهة.

ومع شعور بشار الأسد بعدم استجابة ابن خاله لتعليماته، أمر بالتحرك ضده لأول مرة عام 2017، وكانت البداية بفرض ضرائب على شركاته بشكل يحدث للمرة الأولى، ثم من خلال مؤسسة البستان الخيرية التي كان مخلوف يستخدمها كواجهة لبناء شعبية له داخل الطائفة العلوية، حيث جرى اعتقال مديرها وإقالة مجلس إدارتها، وتعيين أسماء الأخرس، زوجة رئيس النظام على رأسها، وأخيراً بقرار حل الحزب القومي السوري الذي كان قد أعاد رامي مخلوف شطره عام 2013 ليستحوذ على الجزء الفاعل منه ويستقطب آلاف الشباب إليه باغداق الأموال عليهم، وهي إجراءات كان يمكن أن تذهب في التصعيد أكثر لولا أن خال الأسد، محمد مخلوف، كان يتدخل بين الحين والآخر لتهدئة الأجواء.

تقول المصادر إن بشار الأسد كان يعد خاله بالتوقف عن إلحاق الضرر برامي، لكن وعوده تلك لم تكن سوى لإظهار الاحترام له، أما عملياً، فإنه كان يتخذ خطوات تصعيدية متتالية. ومع اشتداد مرض الأخير عام 2019، قرر رئيس النظام الذهاب في تحطيم ابن خاله حتى النهاية، وهو ما حصل بالفعل خلال النصف الأول من العام الجاري 2020.

ومع ذلك، فقد كان يمكن لبشار الأسد أن يمضي أبعد من ذلك في مواجهة رامي مخلوف، وصولاً ربما إلى سجنه أو حتى تصفيته، وهو الأمر الذي كان وجود خاله على قيد الحياة يمنعه من تنفيذه.

لا خلاف على أن لمحمد مخلوف دوراً مهماً جداً في احتواء الأزمة التي انفجرت بين الأسرتين خلال العامين الماضيين، وبالتالي فإن وفاته السبت الماضي، تفتح الباب على تطورات جديدة يمكن أن يشهدها ملف رامي مخلوف، بل وجميع أفراد عائلته، التي لم يبقَ منها داخل أروقة الشأن العام سوى الأخ الأصغر إيهاب، الذي كان قد سارع إلى إعلان ولائه المطلق لآل الأسد، وتخليه عن شقيقه رامي منذ حزيران/يوليو، لتتم مكافأته بمنحه عقد استثمار المناطق الحرة الشهر الماضي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها