آخر تحديث:16:29(بيروت)
الأحد 26/07/2020
share

الليرة السورية تستعيد نصف قيمتها..بضغط النظام لا الاسواق

عقيل حسين | الأحد 26/07/2020
شارك المقال :
الليرة السورية تستعيد نصف قيمتها..بضغط النظام لا الاسواق © Getty
على عكس التوقعات والمؤشرات التي سادت مع بدايات تطبيق قانون العقوبات الأميركي المعروف باسم قانون "قيصر"، فقد استعادت الليرة السورية أكثر من خمسين في المئة من قيمتها خلال الأسابيع الأربعة الماضية.

وسجل الدولار الأميركي انخفاضاً متتالياً أمام العملة السوري التي بلغ سعر صرفها منتصف شهر حزيران/يونيو الماضي نحو 4000 ليرة مقابل كل دولار، قبل أن تشهد ارتفاعاً مستمراً في قيمتها لتصل إلى 1730 في السوق السوداء الأحد.

ويقارب هذا الرقم السعر الذي حدده البنك المركزي لليرة أمام العملة الأميركية في 17 حزيران وهو 1413، مترافقاً مع حزمة قرارات صدرت عن الحكومة وساهمت جميعها حسب المراقبين بتحسن سعر صرف الليرة.

وشددت الأجهزة الأمنية رقابتها على السوق السوداء في مناطق سيطرة النظام، وحصرت الحوالات الخارجية والتصريف بالشركات المعتمدة، كما منعت نقل المبالغ الكبيرة بين المدن والمحافظات، ضمن سياساتها لضبط أسعار الصرف.

إلا أن الانخفاض الكبير في سعر الدولار مقابل الليرة لم ينعكس إيجاباً على الأسواق المحلية التي كانت قد شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع والبضائع، الأمر الذي يؤكد حسب المحللين أن تحسن قيمة العملة المحلية ليس حقيقياً رغم أنه سجّل أرقاماً كبيرة، كما يشير في الوقت نفسه إلى أن العقوبات الجديدة التي فرضت على النظام لم تكن تستهدف الاقتصاد المحلي بالفعل.

وحسب المعطيات فإن أهم أسباب تحسن سعر صرف الليرة كانت الإجراءات الأمنية المشددة التي اعتمدها النظام في مناطقه على حركة نقل وصرف النقد، بالإضافة إلى استفادته من حصر تسليم الحوالات بالجهات المعتمدة ما وفر له كتلة كبيرة من العملة الصعبة، إذ تشير التقديرات إلى أن قيمة الحوالات الشهرية من الخارج للسكان في مناطق النظام تبلغ 18 مليون دولار تقريباً، بالإضافة طبعاً إلى عامل الدعم الخارجي الذي ما زال يمد شريان النظام الاقتصادي رغم تشديد العقوبات الاقتصادية عليه.

ويرى الخبير الاقتصادي السوري الدكتور أسامة القاضي أن هذا الارتفاع في قيمة الليرة ليس حقيقياً ولم يحدث بالوسائل الاقتصادية الطبيعية، متوقعاً أن يكون مؤقتاً أيضاً طالما استمرّ النظام في التعامل مع الوضع الاقتصادي بالمقاربة نفسها.

ويقول  في حديث ل"المدن"، إن "الجسد الاقتصادي الحي يستجيب لآليات العرض والطلب على السلع والبضائع والخدمات، وانخفاض قيمة العملة أو ارتفاعها لا بد أن ينعكس على قيمة السلع في ذلك الاقتصاد. لكن الحال في سوريا أن الاقتصاد وصل إلى ما يشبه الموت السريري، ولذلك فإن ارتفاع قيمة الليرة إلى النصف لم يؤد إلى أي انخفاض في الأسعار، ما يعني أنه ليس ارتفاعاً طبيعياً، بل قسرياً، وتحقق بأدوات أمنية وليست اقتصادية".

ويضيف أن "ما حدث هو نتيجة تشديد القبضة الأمنية على السوق السوداء، لكن هذا أدّى إلى انخفاض كبير في العرض والطلب على الليرة والدولار في مناطق سيطرة النظام، من دون أن يتم تعويض ذلك بارتفاع الإنتاج المحلي، بل على العكس أدّى ذلك، مع انتشار وباء كورونا أيضاً، إلى أن التجار والصناعيين السوريين لم يعد بإمكانهم العمل بأكثر من ربع الطاقة الممكنة".

وحسب القاضي، فإنه يجب عدم اغفال جرعة الدعم الخارجية التي وصلت للنظام وساهمت في تحسن سعر صرف الليرة، سواء من قبل مصارف في لبنان بضغط من حلفاء النظام، أو من جهات أخرى داعمة له "لكن ذلك كلّه لن يساعد كثيراً، وقد نشهد انتكاسة كبيرة قادمة تُلحق بالليرة السورية أزمة أكبر مما حدث، طالما أن النظام لم يعالج المرض بل حجر على المريض وعزله عن العالم، وإذا ظلت الحكومة تعتمد أسلوب المعالجة هذا فقد نشهد خروج الليرة من التداول".

ومثل الكثير من الاقتصاديين يؤكد القاضي أن ما سبق يشير بالفعل إلى أن قانون "قيصر" لم يكن يستهدف أصلاً الاقتصاد المحلي السوري، وإنما كان يهدف إلى الضغط على الحليف الأكبر للنظام وهو روسيا بدليل ارتفاع قيمة العملة منذ تطبيق القانون حتى الآن بأكثر من ألف وخمسمئة ليرة. 

لكن إلى متى يمكن لليرة السورية أن تحافظ على هذا الارتفاع في ظل الصورة السوداء التي يرسمها للاقتصاد السوري بكل عام؟ سؤال يجيب عليه الخبير الاقتصادي بالقول إنه "لا يمكن توقع مدى زمني محدد لحضور العواقب الوخيمة للإجراءات التي يتبعها النظام في معالجة الأزمة الاقتصادية، وهذا التحسن المؤقت في سعر صرف الليرة يظل استمراره معتمداً على جرعات الدعم التي تُقدم من حلفاء النظام وهي لن تكون متوافرة للأبد".

رغم الحملة الدعائية الواسعة التي قام بها النظام للترويج لانعكاسات سلبية جراء تطبيق قانون "قيصر" على الاقتصاد المحلي وحياة المواطن العادي، إلا أن الليرة السورية سجلت تحسناً كبيرة منذ سريان القانون قبل أكثر من شهر، لكن هذا التحسن لم ينعكس إيجاباً على السوق المحلية وأسعار السلع والمواد، التي حافظت على الأرقام المرتفعة التي سجلتها عند وصول الدولار إلى ذروته مقابل الليرة في حزيران، من دون أي تدخل من النظام لضبط الأسواق بالقبضة الحديدية ذاتها التي استخدمها في ضبط سوق صرف العملة السوداء، وهو الأمر الذي ليس من المتوقع أن يفعله طالما أن ذلك لا يحقّق له أي فوائد، بينما أضرار ذلك تقع على عاتق المواطن العادي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها