آخر تحديث:11:32(بيروت)
الثلاثاء 09/06/2020
share

الأزمة المالية الفلسطينية الأقسى:ما هي الأثمان السياسية؟

أدهم مناصرة | الثلاثاء 09/06/2020
شارك المقال :
الأزمة المالية الفلسطينية الأقسى:ما هي الأثمان السياسية؟ © Getty
"هذه الازمة مختلفة عن سابقاتها وأكثر شدة قد تمكث شهراً او تمتد لسنوات".. هكذا أبلغ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس شخصيات سياسية التقاها، الجمعة، كما يكشف مصدر مسؤول ل"المدن".

ووفق القيادي المقرب من عباس، فإن الأخير أخبر الشخصيات التي التقاها أن السلطة في أزمة مالية مرتبطة بالوضع السياسي.. وأن هناك خطة لآلية عمل السلطة لتخفيف النفقات، و"على الجميع أن يصبر ويتحمّل".

وتحدث عباس في اللقاء الضيق وغير العلني عن دول عربية توقفت عن دعم السلطة مالياً، وأنه قام شخصياً بإجراء اتصالات معها مؤخراً لحثّها على تقديم الدعم، لكنها اعتذرت بسبب "تداعيات فيروس كورونا".. بيد أن عباس شنّ هجوماً على تلك الدول خلال "اجتماع الفضفضة"، معتبراً انها أوقفت الدعم بطلب أميركي.

ولم يتوقف الأمر على دول عربية، بل وأوقفت النرويج مساعدتها للسلطة الفلسطينية، بدعوى أن السلطة أجرت تغييرات في مناهجها المدرسية، فيما ذهب البرلمان النرويجي قبل ذلك بوصف خطة التعليم الفلسطينية ب"التدميرية لعملية السلام".

وأكد وزير في حكومة محمد شتية ل"المدن"، صحة التوجه الحكومي لإعداد خطة للصرف القائم على التقشف غير المسبوق، حيث ستركز على ثلاثة بنود رئسية؛ هي رواتب الموظفين العموميين والقطاعين الصحي والإجتماعي، فيما ستتقلص المصروفات بشكل كبير في ما يخص القطاعات الأخرى.

ويخشى الموظفون من أن الأزمة ستؤدي إلى صرف رواتب غير كاملة، إذ عبر عدد منهم ل"المدن"، عن قلقهم الشديد إزاء ذلك، خاصة وأنها تأتي بعد سلسلة من الأزمات لاسيما أموال المقاصة الفلسطينية التي احتجزت إسرائيل في أوقات سابقة قسماً منها يذهب كرواتب لعائلات الشهداء والأسرى.

وفق معلومات "المدن"، فإن عباس تطرق خلال الاجتماع، لبعض الإجراءات المالية المتوقعة ضمن الخطة البديلة في حال استمرت الأزمة بشكل أكبر.. وأن هناك تفكيراً بتقليص عدد العاملين في السفارات الفلسطينية.. ومروراً بالتركيز على عمل "الوزارات السيادية" بالدرجة الأولى.

قيادي مقرب من رئيس السلطة قال ل"المدن"، إن رفض القيادة الفلسطينية تسلم أموال المقاصة من تل أبيب جاء من منطلق معرفتها جيداً بأن أميركا وإسرائيل "ستضغط علينا من هذه البوابة". ويوضح أن السعودية لم تدفع للسلطة منذ مدة وقبل كورونا، بينما تلتزم الجزائر بدفع مبلغ 52 مليون دولار سنوياً من خلال الجامعة العربية. ويواصل الإتحاد الأوروبي التزامه بدعم الفلسطينيين سنوياً موزعة بين الدعم المباشر للسلطة وقطاعات التنمية المختلفة.

بدورها، ذكرت قناة "كان" الإسرائيلية أن السلطة الفلسطينية تدرس تقليص حجم الموازنة المخصصة لقطاع غزة والبالغة قرابة 100 مليون شيقل شهرياً، مشيرة إلى قلق عسكري إسرائيلي من أن يؤدي هذا التقليص لمزيد من الضغط في القطاع، ثم تحوله ميدانياً تجاه إسرائيل.

وكانت السلطة الفلسطينية قد رفضت تسلم أموال المقاصة الفلسطينية، وهي مئات ملايين الشواقل، وحسب مصادر في السلطة أن القرار سيبقى قائماً مادامت قضية "الضم" لم تلغَ.

وقال استاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د.غسان الخطيب ل"المدن"، إن أموال "المقاصة"- التي تشكل ثلثي مداخيل الموازنة الحكومية ويتم دفع معظمها رواتب للموظفين- تُعتبر أحد العوامل التي تُعقّد الوضع المالي للسلطة إضافة إلى تداعيات "كورونا"على الإقتصاد الفلسطيني، كما جاء في تقرير البنك الدولي.

ويعتقد الخطيب أن شدة الأزمة المالية تعتمد على مدتها الزمنية التي لا يستطيع أحد توقعها، مضيفاً "فقط العارفون بالأمر هم الذين يعلمون انها تطول أم لا".

وشدد على أن القيادة الفلسطينية لم تُعطِ شروحات وتفسيرات واضحة عن أسباب عدم تسلم المقاصة. واستبعد أن تكون دول عربية قد دخلت على خط الضغط الممارس أميركياً وإسرائيلياً على السلطة، مبيناً أن عدم التزامها بالمدفوعات المالية للسلطة يعود إلى ظروف فرضتها جائحة كورونا وأمور داخلية متعلقة بها، خاصة وان هذه الدول توقفت عن تقديم المساعدات قبل التطورات الأخيرة.

ويقول مراقبون إن الاعتماد الفلسطيني على الدول المانحة هو خطر وخاضع للضغوط والابتزاز دوماً. ويرون أنّه دونما خطة مبنية على التنمية والقوة الذاتية، مترافقة مع تقشف وشد الأحزمة على البطون الخاوية، فإنه لن يتم مواجهة الأزمة المالية الجديدة.

ويعتقد المحلل الاقتصادي نصر عبد الكريم في حديث ل"المدن"، أن الصراع مع الاحتلال اتخذ منحى مختلفاً، وأن إسرائيل لديها المفاتيح التي تؤثر على الاقتصاد الفلسطيني سلباً، والمقاصة هي "عنوان المعركة"؛ إذ ان توقف استلامها يطالُ قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها.

ويصف عبد الكريم الأزمة المالية الحالية بأنها "أشد أزمة تواجهها السلطة لأن سياقها السياسي والعملياتي مختلف.. الأزمات الاخرى كانت تكتيكية، أما الآن هي استراتيجية". 

ويدعو عبد الكريم القيادة الفلسطينية إلى وضع خطة واضحة وبسيطة حول إدارة الأزمة الجديدة، قائمة على توزيع أعباء المرحلة بشكل عادل بحيث يدفع ثمنها الجميع وليس فئة بعينها، وإلا فإن الشعب سينظر بحالة تشكيك اتجاه السلطة.

ويفسر مراقبون ل"المدن"، الأزمة الجديدة ضمن "ضغط للترويض والتهيئة لمرحلة جديدة تصوغها أميركا وأطراف دولية".. فالأزمة المالية التي واجهتها منظمة التحرير مطلع التسعينات قادتها إلى توقيع اتفاق "أوسلو" في 1993، فيما أنتجت ازمة عام 2006 مرحلة الإنقسام الفلسطيني.. ويتساءلون: "تُرى إلى ماذا ستقود الازمة الحالية؟".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها