آخر تحديث:13:44(بيروت)
السبت 27/06/2020
share

"قيصر" يقرع الأجراس

أحمد طرقجي | السبت 27/06/2020
شارك المقال :
"قيصر" يقرع الأجراس © Getty
"نتوقع  أن يشهد عام  2021 نهاية العمليات العسكرية في سوريا". هي جملة تداولها العديد من الدبلوماسيين منذ أكثر من عام. هذه القراءة عن وصول مرحلة المعارك إلى نهايتها وتغير طبيعة الصراع تجسدت بوضوح مع إعلان قانون "قيصر". وعلى الرغم من انقسام الشارع السوري حول مدى التغييرات المتوقعة من القانون، إلا أن الأهم هو أن يتمكن السوريون من فرض أولوياتهم الوطنية على الأجندات المطروحة الآن.

فالتدخل العسكري الروسي في سوريا هو من الأكبر حجماً في العقود الماضية وقد نتج عنه  قواعد عسكرية لن تغادر سوريا لخمسين سنة على الأقل حسب الاتفاقات التي وقعها النظام مع روسيا. أي أن معظم قراء هذا المقال لن يكونوا على قيد الحياة لمشاهدة القواعد الروسية ترحل عن سوريا. كما أن تصريحات الدبلوماسيين خصوصا الأميركيين واضحه بالموافقة على الوجود العسكري الروسي على مدى السنين القادمة. وبالتالي يبدو مستبعداً أن يقود قانون "قيصر" بحد ذاته لتغيير وضع هذه القواعد إلا في حالة حدوث تغيرات على مستوى عالمي كانهيار الدولة الروسية إقتصادياً أو اندلاع حرب واسعة النطاق في المنطقة أو في حال استطاع السوريون خلق معطيات جديدة لتغيير شروط التفاوض.

تختلف القراءة قليلاً من ناحية إدارة الدولة في المرحلة القادمة حيث تتداخل السياسة مع الاقتصاد. فالروس يتطلعون لتغطية كلفتهم المالية من أي نظام قادم في سوريا بالإضافة لضمان مصالح مستقبلية لشركاتهم الاستثمارية. تفرض هذه الأولويات أسلوب حكم سوري تتحكم فيه مجموعة سياسية اقتصادية صغيرة (أوليغارشية) بمسار الدولة بصورة مشابهة تماماً لما حدث في روسيا نفسها أواخر تسعينات القرن الماضي. بالتالي فإن الانتقال السياسي كما تنص عليه قرارات الأمم المتحدة قد يوقف الانتهاكات وهو مطلب كل السوريين أو قد يقصي جزءاً من النظام، ولكنه لن ينتج بالضرورة نظام حكم متطور في السنوات المقبلة. 

من هذه الزاوية تماماً تظهر أهمية إحياء تيار وطني سوري قوي قادر على إدارة هذا الملف بندية مع روسيا ومع باقي الدول المؤثرة خلال المفاوضات الحالية لوضع نواة دولة قوية بدلاً من نموذج الحكومات المفككة التي رأيناها بعد الحروب الأهلية. كما نعلم فلا النظام و لا الائتلاف ولا الإدارة الذاتية لديهم الآن الشرعية الشعبية أو أدوات التفاوض اللازمه لمواجهة هذا التحدي.

يشكل توقيت قانون "قيصر" عامل حسم أكثر أهمية من مفردات القانون نفسه. فالخزينة العامة السوريه مستنفذة ومن دون موارد ثابتة ما يكبّل حركة النظام ويجعله غير قادر على الهروب للأمام. والشمال الشرقي والغربي غير قادرين على تحقيق أي استقرار محلي ذاتي. دولياً  لن تتمكن انتصارات الدبلوماسية الروسية من الحفاظ بمفردها على مكاسب طويلة الأمد. ولن تستطيع سياسة الضغط الأقصى الأميركية أن تقلب أوراق المعادلة الحالية بالكامل ولكنها ستركز على أولويات السياسة الأميركية في الملف السوري.

لكن ماذا لو تابع الاقتصاد السوري انهياره بعد بدء تطبيق قانون "قيصر" والتزمت الشركات الروسية بالقانون أو حتى تبرعت روسيا للسوريين بجزء من إنتاجها الهائل من القمح؟ هل سيدفع الفقر حينها السوريين للخروج في مواجهة أمراء الحرب أو حتى لمواجهة القوات الروسية؟ أم سيحاولون إيجاد طرق جديدة للتعايش مع اقتصاد الحرب والعقوبات؟. تاريخياً اتجهت الشعوب للحل الثاني في النزاعات السابقة، وتدريجياً فقدت العقوبات قوتها كأداة لتحسين شروط التفاوض. لكن من يدري فالسوريون يثبتون كل يوم أنهم استثناء.

بعد معركة ميسلون ودخول الجنرال غورو دمشق عام 1920 عمل تيار المحافظين والحركة الوطنية على ردم الفجوة بينهم ليتمكنوا من خوض صراع سياسي قانوني طويل مع الانتداب حتى نالوا استقلالهم بعد ربع قرن.

مما لا شك فيه أن التحديات الحالية للوطنيين السوريين أصعب من تحديات الماضي بسبب الانقسام الحاد وغياب منصات الحوار المباشر بالإضافة إلى خروج معظم أوراق السيادة من أيدي السوريين. بيد أن ردم هذا الانقسام على أسس العدالة والمواطنة هو الخطوة الأهم لوقف تهميش الملف الوطني. أجراس المرحلة القادمة تُقرع بقوة على أرضنا، يوسف العظمة ورفاقه لم يربحوا معركة ميسلون لكنهم صنعوا لنا التاريخ.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أحمد طرقجي

أحمد طرقجي

طبيب سوري مقيم في الولايات المتحدة