آخر تحديث:12:05(بيروت)
الأربعاء 24/06/2020
share

"فاثبتوا" بين مهمتين انتحاريتين..مواجهة النصرة أو التخلّي عن التلّي

خالد الخطيب | الأربعاء 24/06/2020
شارك المقال :
"فاثبتوا" بين مهمتين انتحاريتين..مواجهة النصرة أو التخلّي عن التلّي
يسود التوتر محيط مدينة إدلب وبعض القرى والبلدات في ريفها عقب المواجهات التي شهدتها المنطقة بين التنظيمات السلفية في غرفة عمليات "فاثبتوا" و"جبهة النصرة" (هيئة تحرير الشام ). ونشر الطرفان المزيد من الحواجز العسكرية في محيط مناطق التوتر وقطعوا عدداً من الطرق الواصلة بين إدلب وأطرافها، وتؤشر الحشود المتبادلة بين الطرفين ورفضهما لدعوات الصلح إلى إمكانية وقوع مواجهات أوسع وأعنف.

وتواجه غرفة عمليات "فاثبتوا" التي أسستها تنظيمات سلفية متعددة في إدلب 12حزيران/يونيو أول اختبار صعب بعد اعتقال "النصرة" لقائدها العسكري، أبو مالك التلي، ويبدو أنها اختارت المواجهة للضغط على "النصرة" وإجبارها على إطلاق سراحه بعد أن تجاهلت المطالب والتهديدات التي سبقت التصعيد العسكري. 

كان التصعيد بالنسبة لتحالف التنظيمات السلفية خياراً استراتيجياً وإلا ضيعت على نفسها فرصة ربما تكون الأخيرة ليكون لها أثر فعلي في الميدان في مواجهة "النصرة" التي تواصل سياسة إضعاف خصومها ومنافسيها.

تشكيلات "فاثبتوا" هي من بدأت فعلياً التصعيد في الميدان، واستنفرت عناصرها وأنشأت عدداً من الحواجز في قطاعات عديدة بمحيط إدلب وبشكل أكبر بريفها الغربي، ونشرت حواجزها في الجنوب في ريفي أريحا وجسر الشغور، وبدا أنها كانت تحاول تنفيذ حملة اعتقالات تطال قادة وعناصر في "النصرة" للضغط على قيادتها وإجبارها على إطلاق سراح التلي، وهو ما لم تنجح بفعله. وقوبلت تحركاتها بتصعيد عسكري نفذته تشكيلات "النصرة" والتي استهدفت عدداً من مواقع وحواجز "فاثبتوا" المنتشرة في محيط ادلب، وشهدت منطقة السجن المركزي وأطراف عرب سعيد غربي إدلب مواجهات عنيفة استخدم فيها الطرفان الأسلحة الثقيلة.

وتوسعت تحركات "النصرة" نحو سرمدا شمالي إدلب، وطوّقت المقر المركزي لتنظيم "أنصار الدين" السلفي، وهو جزء من تحالف غرفة "فاثبتوا". ووجهت "النصرة" للتنظيم اتهامات بسرقة الأفران وسيارات المدنيين وقطع الطرق وفرض الاتاوات والتضييق على المدنيين. ويبدو تركيز "النصرة" على الحراس مقصوداً في محاولة منها لاستبعاد التنظيمات الأخرى في غرفة "فاثبتوا" عن المواجهة.

وتضم الغرفة كلاً من "حراس الدين" و "أنصار الدين" و "جماعة أنصار الإسلام" و"لواء المقاتلين الأنصار" و"تنسيقية الجهاد".

ونفت "فاثبتوا" ادعاءات النصرة حول عمليات السرقة والسلب وقالت إنها "معلومات لا أساس لها من الصحة، واعتبرتها محاولة لتبرير بغيها وحشد عناصرها للقتال". وأكدت أن "التحركات الأخيرة تشترك فيها التشكيلات الخمسة وليست الحراس وحدهم في المواجهة" بحسب. 

القائد العسكري في "فاثبتوا"، أبو حمزة المسالمة، وهو منشق عن الجهاز الأمني في "النصرة"، وأحد أبرز قادة الحراس حالياً، قال في بيان، إن "حواجز فاثبتوا التي تم نشرها مؤخراً لا تستهدف إلا حفظ أمن المسلمين وتسهيل مرور المجاهدين". ودعا المسالمة للضغط على النصرة التي لا تزال مصرة على تغليب منطق القوة.

وجهت "النصرة" ضربة قاضية لغرفة العمليات الناشئة "فاثبتوا" باعتقالها التلي، والذي التفت حوله التنظيمات السلفية والجهاديين المنشقين نكاية ب"النصرة"، وكان التلي لفترة قصيرة من الزمن أشبه بالمخلّص من وصاية النصرة وهيمنتها، باعتباره سلفياً سورياً له أنصاره وصاحب ثروة واستثمارات في إدلب ويقيم علاقات واسعة وهذا ما تفتقده التنظيمات المُحاصرة التي بنت عليه آمالاً كبيرة لتشكيل جبهة سلفية متماسكة يمكنها الصمود في حال تعرضت لحرب استئصال مفترضة.

كما أن قيادته لتحالف التنظيمات فتحت الباب على منافسة أوسع مع النصرة وتحول موقعه إلى مركز استقطاب جاذب للمنشقين عن الجبهة ومناهضيها من السلفيين المستقلين في إدلب.

وفي حال قررت تشكيلات "فاثبتوا" المضي قدماً في طريق المواجهة والتصعيد العسكري مع الجبهة فإنها أمام خيارات صعبة. المواجهة لن تكون سهلة إطلاقاً، والحسم في الميدان في الغالب سيكون ل"النصرة" الأقوى عدة وعتاداً، ومن حيث الانتشار. جغرافية السيطرة والتوقيت ليسا في صالح تشكيلات "فاثبتوا"، ولا يمكن مقارنتها على سبيل المثال ب"حركة نور الدين الزنكي" التابعة للمعارضة السورية والتي كانت تتحصن في ريف حلب الغربي حتى نهاية العام 2018، وصمدت فيه لسنوات مستنزفة "النصرة" ومفشلة محاولاتها المتكررة بسبب تمركزها في منطقة جغرافية متصلة وفيها حاضنة شعبية كبيرة على عكس حال التنظيمات في "فاثبتوا" التي تنتشر بشكل عشوائي ونقاطها ومواقعها متباعدة وسط منطقة نفوذ "النصرة".

مثلت رسالة زعيم النصرة، أبو محمد الجولاني، التي وجهها لأبي مالك التلي بداية نيسان/أبريل والتي نشرتها النصرة مؤخراً، خطة عمل وسياسة واضحة تستند عليها في تحركاتها في الميدان، والاعتقالات والتصعيد ضد "فاثبتوا" تنفيذ عملي لها، وقد تذهب "النصرة" لأبعد من ذلك تطبيقاً لرؤية الجولاني الجديدة، والتي ترتكز على ممنوعات عديدة، أهمها (يمنع إنشاء جماعات سلفية جديدة ويمنع الانضمام أو مناصرة التشكيلات والمجموعات المناهضة للنصرة ويمنع شق الصف ويمنع التشهير بالنصرة كجماعة في مواقع التواصل).

قائمة الممنوعات سبقها الجولاني بتوضيح شرح فيه أسباب انشقاق التلي، ويمكن اختصارها بأنها محاولة من التلي لإثبات نفسه خارج جماعته التي وجد نفسه مهمشاً فيها، أي منافسة زعيمها، وهذه هي "الخطيئة" الأعظم التي لا يسمح بها الجولاني.

ذهبت أصوات المعارضة السورية لأبعد من المتداول بخصوص مسببات الاقتتال بين الطرفين السلفيين، وترى بان تحركات النصرة ماهي إلا استكمال للمهمة الموكلة إليها، وهي القضاء على التنظيمات السلفية في إدلب، وأهمها "حراس الدين" التابع للقاعدة.

عضو المكتب السياسي في "لواء السلام" التابع للجيش الوطني المعارض، هشام سكيف، قال ل"المدن"، إن "هذه المواجهات نتيجة طبيعية لما يخطط له الجولاني، فهو يحاول أن يجمع خيوط اللعبة وأن يستحوذ على الملفات المهمة بهدف تسويق تنظيمه كجهة معتدلة، وهذا وهم وسراب". 

وأوضح سكيف أن "ما يحدث هو صراع على النفوذ ولن يستطيع أحدهما إنهاء الآخر، نحن أمام فرز جديد، وفي حال تحول القتال الى مواجهة كبيرة ففي الغالب سيخرج الطرفان ضعفاء، وهذا المهم".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها