آخر تحديث:16:36(بيروت)
الخميس 14/05/2020
share

14 يوم ذل..أهلاً بعودتك إلى سوريا

نور عويتي | الخميس 14/05/2020
شارك المقال :
14 يوم ذل..أهلاً بعودتك إلى سوريا العائدون اشتكوا من الآلية من الوصول الى المطار حتى داخل مراكز الحجر الكارثية (سانا)
خلال أزمة كورونا، كانت سوريا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تغلق حدودها أمام مواطنيها، من دون أن تهتم بمصير رعايها من طلاب وسياح وعاملين في الدول الأخرى؛ الأمر الذي عرّض النظام السوري لانتقادات حادة من قبل مؤيديه في الداخل والخارج.

الانتقادات هذه دفعت النظام السوري لإصدار قرار في أواخر نيسان/أبريل لاستقبال طلبات المواطنيين الراغبين بالعودة  عن طريق التواصل مع السفارة أو القنصلية السورية في بلد الإقامة، لتنسيق الإجراءات المناسبة لعودتهم عن طريق مطارات دمشق وحلب واللاذقية، بشرط أن يخضعوا لحجر صحي إلزامي ومجاني تتكفل به الدولة لمدة 14 يوماً، على أن يتحمل المواطن تكلفة تذكرة السفر. 

خلال الأيام الماضية، سجل مطار دمشق الدولي أولى رحلات العودة تلك، وعملت وسائل إعلام النظام على تصدير صورة برّاقة للإجراءات المتبعة، حيث صورت مراكز الحجر كفنادق ومنتجعات سياحية، مؤمنة بكافة المعقمات والمستلزمة الصحية، وتم تصوير الأطباء وهم يستقبلون العائدين على مدرج الطائرة، ورُصدت عملية تعقيم حقائب المسافرين.

إلا أن تلك الصورة البراقة  تم تحطيمها بالكامل حين ضج الشارع السوري بالصور والتصريحات التي نشرها كل من الممثل خالد القيش والمخرج تامر إسحاق عن الوضع المزري للحجر الصحي الذي تم وضعهما فيه إثر عودتهما من الشارقة؛ إذ تم الحجر على أكثر من 380 شخصاً قادمين من بلدان مختلفة (إمارات، السودان، روسيا) في وحدة من السكن الجامعي لطالبات الطب في منطقة المزة في العاصمة دمشق، وهو ما ساهم باختلاطهم ببعضهم البعض من دون أن يخضعوا لفحص طبي. وهذه الوحدات السكنية لم يتم تنظيفها وتعقيمها، فهي مليئة بالقذارات والحشرات، ويتشارك فيها كل شخصين أو ثلاثة بغرفة واحدة، ويتشارك كل 70 شخص بحمام واحد مشترك.

الانتظار الطويل
وفي محاولة لفهم آلية سير رحلات إعادة المسافرين، تواصلت "المدن" مع مواطن داخل أحد مراكز الحجر الصحي، كان مقيماً في سلطنة عمان. وقال المصدر: "تواصلت مع السفارة السورية عن طريق الإنترنت، وتم تحويلي لتعبئة استمارة تتضمن تعهداً بالالتزام بالحجر الصحي لمدة 14 يوماً ودفع كافة تكاليف السفر، وتضمنت الاستمارة سؤالاً عن المحافظة التي أعيش فيها في سوريا، ليتم اختيار مركز حجر صحي فيها، من دون أن تقدم السفارة أي معلومات إضافية عن مركز الحجر". 

وأضاف أنه "خلال الرحلة الجوية لم يتم تقديم أي من المشروبات أو الأطعمة. وعندما وصلت الطائرة إلى مطار دمشق الدولي تم إرغامنا على الانتظار في الطائرة حتى وصول الباصات التي ستقوم بنقلنا إلى مراكز الحجر، ودام انتظارنا ما يقارب ثلاثة ساعات. وبعد أن وصلت الباصات تم توزيعنا عليها وأقفلت علينا، وجلسنا بها قرابة ثلاث ساعات بانتظار قرارات الفرز على مراكز الحجر الصحي وأمر التحرك". 

وتابع: "مكثنا في الباصات ساعات إضافية، ولم يوفروا لنا طعاماً ولا حتى ماء، ومُنعنا أيضاً من مغادرة الباص لدخول الحمام، رغم أن بعض الركاب كانوا من المسنين ولديهم ظروف صحية خاصة. وقبل الإنطلاق باتجاه مركز الحجر الصحي أخبرنا السائق أنه تم فرزنا إلى مركز حجر صحي في حمص، واعترض عدد كبير منّا على ذلك، إذ قمنا باختيار دمشق في الاستمارة مسبقاً، ولكن لم يستجب أحد لأسئلتنا". 

بيئة لنشر الفيروسات
كانت الأمور حتى تلك اللحظة لا زالت مقبولة إلى حين الوصول إلى مركز الحجر الصحي ليكتشف العائدون شكل المكان الذي سيقضون الحجر الصحي داخله. وتابع المصدر: "عندما وصلنا إلى مركز الحجر الصحي، وشاهدنا وضعه المخزي من الخارج امتنع الكثيرون عن النزول إليه، فلجأ عناصر الأمن للعنف اللفظي والجسدي لإدخالنا إليه. وبعد أن ازدادت المهاترات على باب المركز، تدخل موظف من وزارة الصحة ليخبرنا بأن الوزارة ستقوم بفحصنا فور دخولنا إلى المركز، ومن يثبت عدم إصابته بالفيروس سيُطلق سراحه. لذلك دخلنا إلى المركز، وانتظرنا ساعات حتى وصلت حقائب السفر الخاصة بنا، ولم نخضع حتى اليوم لأي فحص طبي".

ويبدو أن مراكز الحجر الصحي المجهزة لاستقبال العائدين إلى سوريا هي بيئة لنشر الفيروس أكثر منها للوقاية منه؛ فبالإضافة لخلوها من أي معدات صحية وطواقم طبية تضمن سلامة المحجور عليهم، لم يتم تزويدنا بأي كمامات ومعقمات ومواد تنظيف. كما لم تتم مراعاة الظروف الصحية الخاصة لأصحاب الأمراض المزمنة والمسنين، ولم تؤمن لهم الأدوية اللازمة لهم.

وأبلغت إحدى العائدات من الخارج، والتي فضلت عدم ذكر اسمها، "المدن": "أنا مصابة بداء السكري وأحتاج إلى دواء الأنسولين بشكل يومي. كنت قد جلبت معي من الإمارات عدة عبوات في حافظة مبردة، ولكن الرحلة استغرقت 17 ساعة مما جعل الثلج في الحافظة يذوب، وقمت بإخطار المسؤولين في المركز عن حاجتي لثلاجة لحفظ الدواء عندما تفاجأت بعدم وجود ثلاجة صغيرة في الغرفة، ولكنهم لم يبالوا بالأمر".

وتابعت متحدثة ل"المدن"، من المدينة الجامعية في منطقة المزة التي تحولت الى مركز حجر صحي، "كما أنهم لم يسمحوا لي بالخروج لاستلام عبوات أخرى من أقربائي الذين يعيشون بذات المدينة وتواصلت معهم وشرحت لهم ما يحدث".

التعايش مع الحشرات
ولا تقتصر المشاكل في مراكز الحجر الصحي على الإهمال الشديد وعدم المبالاة، بل الأمر يتعدى ذلك من خلال بعض الإجراءات التي يتخذها القائمون على هذه المراكز بحق العائدين، والتي تجعلهم يشعرون بأنهم داخلون إلى سجن. 

ومن هذه الإجراءات أن السلطات تقوم بفصل العائدين فور وصولهم إلى قسمين، رجال ونساء، ويرسلون الرجال إلى مركز والنساء إلى مركز مختلف، ويفصلون بذلك العوائل عن بعضها البعض، حتى أن بعض المسنين اشتكوا ل"المدن"، من عدم وجود من يهتم بهم بعد فصلهم عن عائلاتهم.

وفي هذه المراكز المقسمة على أساس الجنس، كما السجون، يتوجب على المواطنين المحجورين القيام بتنظيفها والتعايش مع الحشرات الموجودة في كل مكان فيها.

ويبدو أن النظام اكتفى بتسيير بعض رحلات العودة، فيما أهمل العديد من طلبات العودة. وقالت طالبة سورية تدرس في الهند، إن طلاباً سوريين حاولوا التواصل مع السفارة منذ بداية أزمة كورونا للعودة، ولكن السفارة لا تستجيب. 

وقالت: "اليوم نحن مجبرون على العودة، حيث أخلي السكن الجامعي من جميع الطلاب المقيمين فيه، عدا الطلاب السوريين، وأمهلتنا الجامعة أسبوعاً لإخلائه قبل أن تغلقه بشكل تام. وإلى اليوم لا يوجد طريق للعودة، على الرغم من اعتراف السفارة باستقبال طلبات عودة من 591 مواطناً سورياً في نيودلهي، فكيف لا تتوافر رحلات جوية لهذا الأرقام الكبيرة!".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها