آخر تحديث:13:33(بيروت)
السبت 18/04/2020
share

إيران نحو "عسكرة" النظام

أسعد حيدر | السبت 18/04/2020
شارك المقال :
إيران نحو "عسكرة" النظام © Getty
استغربت جداً وأنا استمع لمعارض إيراني يقول: "اغتيال الأمركيين للجنرال قاسم سليماني بقرار مباشر من ترامب هو أغبى قرار اتخذه رئيس أميركي خلال أربعين سنة من المواجهة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران". قلت: "أعرفك معارضاً للنظام ولست محباً للعسكر فماذا حصل حتى تتأسف على مقتل الجنرال قاسم سليماني وتصفه بالعمل الغبي"، أجابني بثقة ووضوح: "المرحلة القادمة تفرض هذا الموقف… أعرف أن الأعمار بيد الله ولكن المرشد علي خامنئي اجتاز العتبة ولذلك يعمل على التحضير لخلافته وكان يعتمد في عملية الانتقال الهادئ على رجله في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني الذي تدرج حتى أصبح شريكاً وليس تابعاً له وكان قادراً على الفعل وضبط الساحة ليس لأنه يخيف وإنما لأنه كان "العلبة السوداء" التي تختزن أسرار الجميع من قادة ومسؤولين. إضافة إلى جانب آخر مهم أنه كان دارساً ممتازاً للعلوم الدينية، ووصيته التي نشرت بعد مقتله رغم وجود فقرات تؤشر إلى إمكانية إضافتها بعد وفاته حتى تكتمل وظيفتها، تؤكد تعمقه في الدراسة. وآخيراً كان يمسك باقتدار فيلق القدس، القوة الضاربة في الحرس والجيش...".
قلت للمعارض الايراني: "هذا لا يكفي لموافقتك على موقفك هذا فماذا جرى أو يجري أجاب: "أنا أخاف على إيران من الفوضى خصوصاً أن أسباباً كثيرة موجودة حالياً، وكنت أقول دائما الويل للإيرانيين إذا وقعت الفوضى لأنها سرعان ما "ستتسورن"، أي على غرار سوريا. توجد قوى عديدة إلى جانب واشنطن تتمنى اشتعال الوضع ولكل من هذه القوى أسبابها الخاصة. الجنرال سليماني كان مؤهلاً لضبط التطورات مع مجموعة مهمة من قيادات الحرس أما الآن فالطامحين للعب دور أو حتى للقفز الى السلطة عديدون".
أضاف "لا شك أن خامنئي الذي بكل ما يملك من صلاحيات قد صاغ النظام على قياسه، سارع إلى سد الثغرة وعين قائداً جديداً قوياً هو اللواء اسماعيل قآاني الذي يعرف تفاصيل الفيلق لأنه كان نائباً لسليماني، ألا أن الأسرار الاساسية للفيلق وخصوصاً علاقاته بكل ما يتعلق بالخارج دفنت مع سليماني، ويلزمه الكثير من المهمات واللقاءات ليبني ما له وليس على ما ورثه. لكن يجب ألا تنسى أن خامنئي وهو يصيغ الجمهورية على قياسه قد غيّر الكثير من تركيبة النظام والقوى إلى درجة الطلاق مع بدايات الثورة والجمهورية الأولى التي قادها الامام الخميني".
ارتكز الإمام الخميني في إطلاق الثورة ومن ثم في بناء الجمهورية على قوى فاعلة في المجتمع الإيراني أبرزها: المعممون، سواء كانوا من العلماء أو الدارسين الملتزمين، وأيضا البازار الذي أنتج إضرابه منح الثورة قوة دفع ضخمة لما كان له من وجود ضخم على الصعيدين الاقتصادي-المالي والمجتمعي-العائلي. أما الآن فموقع العلماء والمعممين تراجع كثيراً بعد فرض خامنئي نفسه مرجعاً لا تراجع كلمته وأمره ومن يطيعه ويلتزم بتوجيهاته يقوّي حضوره خصوصاً في مؤسسات ومواقع النظام، وبعد أن ربط العائدات المالية للمراجع به، لم يعد من خالفه يحصل سوى على القليل من العائدات مما انعكس سلباً على عدد تلامذته وعلى عدد مقلديه وبالتالي على رأيه وموقفه في كل ما يحدث في البلاد.
بهذا تراجع كثيراً عدد المرشحين للخلافة، بحيث أصبح إبراهيم رئيسي رئيس هيئة القضاء والمرشح الفاشل لرئاسة الجمهورية، المفضل عند خامنئي لخلافته هذا إن لم يكن إبنه مجتبى الأفضل بالنسبة له لولا أن عدم خلافة أحمد ابن الإمام الخميني له أصبح مثالاً من الصعب جداً القفز فوقه. وأي قراءة للعلماء المحيطين لخامنئي تؤكد حجم الفقر في لائحة المرشحين. من ذلك أن ابرز آيات الله في مجلس الخبراء، المسؤول عن ترشيح الولي الفقيه ومراقبته وصولا إلى إقالته (وهي مهمة لم يقم بها المجلس) هم: حسين وحيد خرساني (99 عاماً)، لطف الله كلبكياني (قريب من المئة عام)، حسين نوري حمداني (94 عاماً)، ناصر مكارم الشيرازي (92 عاماً)، موسى زنجاني (91 عاماً)، الخ... يبقى أن مرشحين آخرين مثل مصباح يزدي وصادق لاريجاني قد دخلا كما يبدو في حالة الصمت لأسباب مختلفة.
حالياً في "الجمهورية الخامنئية" أصبحت القوة المحركة والفاعلة: مكتب المرشد الذي يضم حوالي 12 ألف "موظف" حسب مختلف التقديرات، لأن للمرشد ممثلين له يديرون جميع مؤسسات الدولة حسب توجيهات المستشارين من الخارجية إلى الحرس والدفاع والأمن.
ويتمتع خامنئي بميزانية مستقلة وغير خاضعة للمحاسبة، نتيجة إمساكه بعائدات "العتبة الرضوية" في مشهد "ومؤسسة المستضعفين" و"خاتم الأنبياء"، وقُدّرت ثرواتها المستثمرة بحوالي 96 مليار دولار إلى مئتي مليار دولار. وقد عمد خامنئي إلى رفد الحرس من هذه الميزانية بالأموال التي يحتاجها خصوصاً عندما تشدد روحاني فلم يخصص له ما يريده من الميزانية.
أما القوة الثانية فهي الحرس الثوري، ذلك أن هذه القوة العسكرية التي أُنشئت لحماية الثورة والنظام تحولت مع خامنئي إلى قوة قابضة على النظام، فهي تمسك بالجزء الأساسي من الاقتصاد وهو "العمود الأساسي للسياسة"، وأعضاء أساسيون في كل الحكومات وخصوصاً في عهد أحمدي نجاد هم من ضباط الحرس العاملين أو المتقاعدين، وكذلك المحافظين ومسؤولي المقاطعات، كما أن كتلة الحرس في مجلس الشورى، التي يطلق عليها اسم "الصخرة"، حاضرة بقوة في كل المجالس.
حالياً، تعاني إيران وبقوة من فيروس كورونا المستجد وتدهور الاقتصاد وبالتالي ارتفاع منسوب البطالة مما دفع الرئيس روحاني إلى القول: "يجب أن نحارب المرض أي الكورونا والبطالة". يُقال إن خامنئي لم يكن يملك الشروط الواجبة لكي يُسمى الولي الفقيه، ورغم ذلك نجح وقاد وحكم ثلاثة عقود حتى الآن، وذلك في معرض التأكيد بأن الشروط الواجبة في المرشح ليست ضرورية. لكن خامنئي صعد سلّم السلطة في  ظروف مختلفة جداً عن المرحلة الحالية، إلى جانب ذلك لم يأت خامنئي من فراغ إذ تدرّج في كل المواقع فحفظ تركيبة الدولة جيداً، وساعده في ذلك وجود الإمام الخميني في العقد الأول من صعوده ومن ثم وجود هاشمي رفسنجاني إلى جانبه ومعه طوال العقد الأول من دون مزاحمة ولا منافسة حتى إذا قوي عوده تمكن من إبعاده رويداً رويداً، حتى وصل إلى مرحلة قام بإسقاطه على يد مجهول هو أحمدي نجاد.
قد ينجح المرشد خامنئي في هندسة خلافته وقد يفشل. في كلا الحالتين يبدو جلياً تراجع موقع "العمامة" في الجمهورية لمصلحة "قبعة الحرس". حالياً، من الصعب تسمية النجم الصاعد من "الكولونيلات" خصوصاً  أن من ضرورات التوازن أن يكون منسجماً ومقبولاً من قيادات الجيش الذي يعود رقماً مهماً في تركيبة القوة العسكرية الايرانية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها