آخر تحديث:19:40(بيروت)
السبت 29/02/2020
share

مات الدكتاتور..عاشت الديكتاتورية

مصطفى عز | السبت 29/02/2020
شارك المقال :
مات الدكتاتور..عاشت الديكتاتورية © Getty
بعد أقل من أسبوع لم يعد أحد من المصريين يتحدث عن الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي تعمَّدت الدولة إحداث زخم زائف حول موته، لتأكيد أن رحيل ديكتاتور لا يعني رحيل الديكتاتورية.
لو كان مبارك يمتلك تلك المساحة المزعومة في التاريخ أو في الشارع، لما نسيه الناس قبل أن يبرد جسده في مقبرته التي بناها من أموال المصريين.
لم يكن مبارك يتمتع بأهمية تذكر بعد الإطاحة به سوى أنه كان نردًا على طاولة المكايدة السياسية. لم يكن أكثر من لسان تخرجه الثورة المضادة لثورة يناير المغدورة كلما أرادت.
هذه الفرضية لا تحتاج كثيراً من الجهد لإثباتها، فالجنرالات القادمون من رحم الاستبداد والذين يعتمدون على الدبابة في كل شيء لا يكنِّون لمبارك ولا لغيره إحتراماً يذكر إذا ما مثَّل خطرًا على مصالحهم.
لقد استغلوا ثورة يناير 2011 للإطاحة به وبمشروع التوريث الذين كان يهدد بتحويل مصر من إقطاعية الجيش إلى إقطاعية أسرة مبارك. لاحقاً استغلوا مبارك للإطاحة بثورة يناير.
عندما سعى "بطل حرب أكتوبر"، كما يوصف، لنقل السلطة لابنه القادم من خارج المؤسسة العسكرية لم تشفع له عسكريته التي يتحدثون عنها ولا بطولته التي يزعمونها، خلعوه، وعندما وجدوا ريح الثورة عاتية سجنوه. لكنهم عندما ضرب سرطان الخلاف جسد الثورة، منحوه بعض الاحترام حتى لا تفقد الديكتاتورية هيبتها في عيون الناس.
لقد استغلوا الثورة لتصفية مبارك ثم استغلوا مبارك لتصفية الثورة عندما برأوه ومنحوه فرصة الحديث التي سعى من خلالها لتكريس فكرة أن ما حدث طوال 9 سنوات لم يكن إلا مؤامرة.
لما أسدل الستار على الرجل الذي لن يحظى بسطر واحد في كتب التاريخ، لم يكن هناك بد من التأكيد على أن من يحكمون مصر الآن ينتمون للكهنوت العسكري ويؤمنون به. هؤلاء القادة لا يحترمون مبارك ولا سامي عنان ولا أي قائد خرج من اللعبة ما لم يكن هذا الاحترام يخدم مصالحهم.
لقد وصلوا بالرجل إلى مرحلة من الامتهان جعلتهم يميتونه في العام الواحد مرة أو مرتين لأسباب سياسية وليست صحية، حتى جعلوه (وهو القائد العسكري) مزحة على ألسنة العوام. وعندما مات الرجل فعلا  أكدوا أنهم على دربه سائرون.
وهم إذ يحدثون هذه الجلبة حول جثة مبارك فإنهم يحفظون هيبة الديكتاتورية ويبجلونها. لا يبرزون ما يمثله من قيم عسكرية وإنما يبرزون ما يمثله من قيم سياسية. هذا ليس احتفاء بشخص وإنما هو تكريس لنموذج وتأصيل لفكر، وشماتة في خصوم.
نحن لا نحترم مبارك ولا نقدره لكننا نطالبكم بان تحترموه لأنه ينتمي لنا وننتمي له.. نحن نهينه متى نشاء ونرفعه على الأعناق متى نشاء، أما أنتم فليس لكم إلا الطاعة أو الحسرة أو رصاصة في الرأس، هذا ما يخبرون به المصريين من خلال تلك الجنازة العسكرية الزائفة.
أن تكون عسكريًّا لا يعني أنك تستحق التكريم، فالأهم هو أن تكون عسكريًّا مثلنا.. أن تكون منَّا.. عندئذ سنمنحك كل ما لا تستحق ما دام ذلك يعزز الصورة التي لا نريد لها أن تهتز. لكي تكون فوق الجميع فعليك أن تكون عسكريًّا كما نريد لا كما تريد.
لقد مات الفريق سعد الدين الشاذلي، أحد أكبر وأهم قادة حرب أكتوبر، قبل تنحي مبارك بيوم واحد. يومئذ كان المجلس العسكري هو الحاكم الفعلي لمصر. ومع ذلك لم يُعلن الحداد ولم ينكّس العلماً ولم يشيّع في جنازة عسكرية، لا لشيء إلا لأن الرجل كان يعارض الحكم العسكري ويرفض (السلام) مع إسرائيل، وكانت له مقولة شهيرة: "الوطن أغلى من الروح، والدين أغلى من الوطن".
لو كانت مصر تقدمت خطوة واحدة في طريق الحرية لكان موت مبارك خبراً عابراً، ولما انتشر إلا بعد مواراته الثرى، لكن هذا لم يحدث. وقد أراد تلاميذه التأكيد على أن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها