آخر تحديث:12:42(بيروت)
الإثنين 16/11/2020
share

مؤتمر اللاجئين..روسيا لا تعبث

العقيد عبد الجبار العكيدي | الإثنين 16/11/2020
شارك المقال :
مؤتمر اللاجئين..روسيا لا تعبث © Getty
"مرّت على الشعب السوري خلال القرون الماضية احتلالات عديدة لكنها لم تتسبب في نزوحه، والنزوح الحالي هو أول نزوح للشعب السوري". هذا ما اعترف به رئيس النظام بشار الأسد في كلمته الافتتاحية لمؤتمر اللاجئين الذي انتهى الخميس، وهو بذلك يقرّ أن له السبق في تهجير الشعب السوري بشكل لم يفعله حتى المحتلون.
الأسد الذي تجاهل أنه وحلفاءه الروس والإيرانيين السبب الرئيسي في قتل وتهجير الشعب السوري، استجدى في كلمته المسجلة روسيا والدول المشاركة على قلتها وتواضع إمكانيات غالبيتها العمل على تقديم المساعدة الاقتصادية للنظام من أجل تجاوز أزمته الاقتصادية الخانقة التي جعلت حتى مؤيديه يحلمون بالهجرة.
فالمؤتمر عُقد بغياب أبرز الدول التي تستضيف العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، واقتصر على مشاركة 27 دولة من أصدقاء النظام وحلفائه، وبينها بلدان لا تستضيف أي لاجئ سوري، لكن معظمها تتقاطع مع النظام بالاستبداد والدكتاتورية وانتهاك حقوق الانسان، وتتربع على مؤشرات الفساد والفقر العالمية، وتعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها وتدهور في سعر صرف عملاتها، ومعظمها يعيش حروباً داخلية، وبالتالي أي عون يمكن أن تقدمه هذه الدول؟!
ومع ذلك كان إصرار موسكو على عقد مؤتمر اللاجئين كبيراً، ما جعل الكثيرين في حيرة يتساءلون عن سبب هذا الإصرار، لكن بعض المعطيات ربما تشكل إجابة.
فروسيا التي وضعت يدها على المقدرات الاقتصادية لسوريا من خلال اتفاقيات وقوانين وعقود لعشرات السنين، تطمح من خلال هذا المؤتمر للاستحواذ على عقود إعادة الإعمار التي يُتوقع أن تزيد على 500 مليار دولار، والضغط بورقة اللاجئين ربما يسهم بإقناع الدول المستضيفة بإعادتهم والمساهمة أيضاً بتكاليف إعادة الاعمار.
وأيضاً رغم معرفة سيد الكرملين بأن عودة المهجرين وإعادة الاعمار تحتاجان الى أموال طائلة لا تستطيع تأمينها الدول التي حضرت مؤتمره، بل تحتاج تحديداً لمساهمة دول الخليج والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وكندا واليابان وغيرها من الدول الغنية، إلا أنه أصر على عقد المؤتمر في دمشق لتوجيه رسائل لكل الفاعلين بالملف السوري مفادها أن موسكو هي من تمسك بالقضية السورية، وأن هذا المؤتمر لن يكون الأخير، وأن الأسد أمر واقع، وإذا أردتم التخلص منه فعليكم التفاوض معنا ودفع الثمن لنا ولن يكون رفع الغطاء عنه مجاناً.
لكن مفتاح عملية إعادة الاعمار وعودة اللاجئين تكمن عملياً في الإصرار الأميركي-الأوروبي على توفير البيئة الآمنة والانخراط الجدي للنظام في العملية السياسية على أساس القرار 2254، وهذا ما تشترطه الدول الرئيسية الحاضنة للاجئين التي اعتبرت المؤتمر سابقاً لأوانه، وأن سوريا غير جاهزة لعودة اللاجئين، فلا النظام قادر على استقبال اللاجئين ولا اللاجئين مستعدين للعودة والاصطفاف في طوابير الخبز والنبزين وسوء الخدمات، ناهيك عن الفقر والقهر والاعتقال وانعدام الأمن والأمان.. باختصار لا يوجد سبب واحد من أسباب هجرتهم قد تمت معالجته.
المعارضة التي لم تعِر المؤتمر الكثير من الاهتمام ولم تأخذه على محمل الجد واعتبرته مسرحية هزلية فاشلة يقوم بها الروس والنظام، يجب أن يكون لديها مخاوف جدية بحكم التجارب السابقة مع مثل هذه الخطوات الروسية التي بدأت مثيرة للسخرية لفرط عدم واقعيتها، لكنها أحدثت بمرور الوقت تبدلات في المواقف السياسية لدى الدول والأطراف الفاعلة في الملف السوري.
ولذا على المعارضة الحذر من أن يكون لدى روسيا أهدافٌ أخرى من وراء هذا المؤتمر، مثل الاستمرار في تكريس النظام كممثل شرعي للسوريين. فروسيا والنظام يسعيان لسحب ورقة اللاجئين التي تشكل ورقة ضغط على النظام، من المجتمع الدولي، وبالتالي التحرك سياسياً وعسكرياً بحرية أكبر، إضافة لتسويق النظام عالمياً على أنه مهتم بحل قضية اللاجئين كما تم تسويقه على أنه شريك بمكافحة إرهاب تنظيم "داعش".
إن تجربة مؤتمر الحوار الوطني الذي دعت اليه روسيا ورعته في سوتشي 2018 والذي رفضت معظم المعارضة حضوره وسخرت منه، ثم قبلت بمخرجاته التي حرفت مسار العملية السياسية واختصرتها بلجنة دستورية ما زالت تراوح في مكانها منذ عامين، تعزز المخاوف من نتائج سلبية قد تترتب لاحقاً على التعاطي المماثل مع مؤتمر اللاجئين، مع حضور ممثل عن الأمم المتحدة بصفة مراقب، يعطي ما يذكر بحضور المبعوث الدولي السابق ستيفان دي مستورا مؤتمر سوتشي وما آلت اليه الأمور بعد ذلك.
إن لحضور ممثل الأمم المتحدة المؤتمر دلالات تشير ربما إلى ابتزاز الروس للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الذي تنتهي دورته الرئاسية نهاية هذا العام، ولا يمكن التمديد له من دون موافقة روسيا، وأيضاً ابتزاز النظام للمبعوث الدولي غير بيدرسن وربط دمشق موافقتها على إرسال وفدها لحضور اجتماعات اللجنة الدستورية في دورتيها الرابعة والخامسة نهاية تشرين الثاني/نوفمبر، واستمرار العملية السياسية التي لم تثمر حتى الان عن أي نتائج إيجابية، بحضور الأمم المتحدة لمؤتمر اللاجئين في دمشق.
ما يجب أن تعرفه المعارضة هو أن النظام عقد هذا المؤتمر بضغط روسي، إذ أنه لا يكترث بعودة اللاجئين، بل يحاول عرقلة هذه العودة من خلال الممارسات التعسفية التي تعرض لها من جرّب حظه وعاد إلى "حضن الوطن" من اعتقال وتعذيب وتجنيد إجباري وفرض رسوم مالية على دخول للبلاد، ما يؤكد أن مصلحة النظام تقتضي عدم عودتهم بسبب عدم قدرته على تأمين الخدمات لما تبقى من الشعب المقدر بأقل من نصف عدد سكان سوريا، فكيف إذا ما بات مسؤولا عن أكثر من عشرين مليوناً.
وهنا لا يمكن إلا ان نستحضر تصريحات رأس النظام عن المجتمع المتجانس الذي يريده في سوريا. هذا المجتمع الذي يرى الأسد هو الوطن، ولا يرى الوطن الا من خلال الأسد، وأيضاً تهديدات أحد جنرالاته عصام زهر الدين اللاجئين حين قال قبل مقتله عام 2017: "اسمعوا من هذه الدقن ولا تعودوا... إذا الدولة سامحت فنحن لن نسامح".
تشترك المعارضة والنظام إذاً في الموقف السلبي من مؤتمر عودة اللاجئين، كما اشتركا قبل ذلك بالموقف من مؤتمر سوتشي ومن تفاهمات الطرق الدولية بين تركيا وروسيا أيضاً، وهي ترتيبات أقرتها موسكو وفرضت تبعاتها على الجميع، وإذا كانت في البداية قد تلقت الرفض والسخرية فإنها وفي كل مرة كانت تجني المكاسب في النهاية، وهي دروس توجب عدم الاستهانة بما تقدم عليه موسكو في الملف السوري مهما بدا غير منطقي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها