آخر تحديث:15:03(بيروت)
الأربعاء 28/10/2020
share

إدلب..نُذُر حرب أم تفاهمات غير معلنة

العقيد عبد الجبار العكيدي | الأربعاء 28/10/2020
شارك المقال :
إدلب..نُذُر حرب أم تفاهمات غير معلنة © Getty
حملت الأيام الأخيرة الماضية معطيات عدة تتعلق بمستقبل الأوضاع في منطقة إدلب، لعل أخطرها القصف الروسي الذي استهدف مركزاً عسكرياً تابعاً ل"فيلق الشام" الاثنين وأودى بعشرات من مقاتلي الفصيل التابع للجبهة الوطنية، ما شكل خرقاً غير مسبوق لاتفاق الهدنة الموقع بين تركيا وروسيا.
هذا القصف يأتي بعد البدء بتفكيك نقطة المراقبة التركية التاسعة في مدينة مورك والتي تعتبر أكبر النقاط الموجودة في المناطق التي سيطر عليها النظام في حملته الأخيرة نهاية العام الماضي. ورغم أنه لم يصدر أي تصريح رسمي تركي بشأنها إلا أن هذه الخطوة تعني نهاية آمال النازحين بالعودة الى مناطقهم وقراهم التي كان وجود هذه النقاط مؤشراً على احتمالية هذه العودة والخلاص من جحيم الإقامة في المخيمات مع قدوم فصل الشتاء.
لم يكن مفاجئاً للمتتبعين لواقع الاحداث الميدانية وتشابك الملفات السياسية وما يجري في شرقي المتوسط وليبيا وناغورني قره باغ والمصالح والتوازنات الدولية الدقيقة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين على الساحة السورية الانسحاب من هذه النقاط الذي من المتوقع أن تتبعه انسحابات أخرى لبقية النقاط ال12 المحاصرة رغم تصريحات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار عن أن انسحاب القوات التركية من نقاط المراقبة الموجودة بمناطق خفض التصعيد في محافظة إدلب غير وارد وغير قابل للمساومة.
والمتابع لتطور الأحداث منذ بدء مسار أستانة في مطلع العام 2017 وسقوط المناطق المحررة بشكل متتابع مع كل إعلان عن جولة محادثات في هذا المسار يدرك تغير المواقف حسب أولويات المصالح وتوازنات القوى على الأرض وطبيعة العلاقة بين روسيا وتركيا المحكومة بقواعد الجوار وموازين القوى العسكرية والمصالح الاقتصادية الكبيرة وحرص الطرفين على تجنب أي صدام أو اشتباك مباشر بينهما في سوريا.
ففي القمة الثنائية بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في 5 أذار/مارس، سكت الاتفاق عن مصير نقاط المراقبة التركية التي تحاصرها قوات النظام وما إن كانت ستبقى مكانها أو ستنسحب، وكانت مخرجات القمة عبارة عن محاولة روسية-تركية لإنقاذ التفاهمات التي توصل إليها الطرفان حول سوريا منذ انطلاق مسار أستانة، من خلال التركيز على ثلاث نقاط رئيسية هي وقف إطلاق النار، وإنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولي الرابط بين حلب واللاذقية (إم-4) بعمق 6 كم شمال الطريق ومثلها جنوبه، وبدء تسيير دوريات مشتركة روسية-تركية على هذه الطريق بدءاً من بلدة الترنبة غرب سراقب وصولاً إلى بلدة عين حور الواقعة في ريف اللاذقية.
لكن اليوم ووسط هذا التكتم التركي الرسمي حول انسحاب النقاط المحاصرة من قبل النظام وهل هي خطة تكتيكية لإعادة تموضع وانتشار للجنود الاتراك، وهل هذا التموضع يواكب تفاهمات سياسية جديدة تتعلق بتنفيذ اتفاقيات أستانة وسوتشي وملفات متنازع عليها في مناطق أخرى أم هناك أسباب أخرى أجبرت أنقرة على هذا الاجراء، ومع غياب إجابات واضحة تبرز عدة فرضيات يثيرها المشهد السياسي والميداني:
الأولى، أن سحب النقاط التركية المحاصرة والتي تم انشاؤها بناءً على تفاهمات سوتشي 2018 لمراقبة وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد الرابعة بعد سيطرة النظام على مناطق خفض التصعيد في درعا وريف دمشق وحمص، جاء بعد أن أصبحت ضمن مناطق سيطرته اليوم، وبالتالي لم يعد لها قيمة، بل وتشكل نقطة ضعف وضغط وعبء مادي ولوجستي على الجانب التركي الذي بدأ يضغط عليه النظام من خلال التحرش بالنقاط والمظاهرات المسيسة أمامها مطالبةً بانسحابها.
الثانية، أن يكون هذا الإنسحاب استجابة للطلب الروسي المتكرر بسحب هذه النقاط وتخفيض أعداد العسكريين الأتراك في منطقة إدلب وسحب السلاح الثقيل، مقابل إقناع النظام بعدم القيام بأي عمل عسكري يستهدف اجتياح جبل الزاوية وسهل الغاب، وهو الطلب الذي كانت قد رفضته تركيا من قبل رسمياً.
الفرضية الثالثة، أن تكون تركيا قد قبلت بعرض الروس سحب النقاط والسلاح الثقيل مقابل إخراج قوات سوريا الديمقراطية من مدينتي منبج وتل رفعت في ريف حلب، والسماح لها باستكمال عملية نبع السلام ضد حزب الاتحاد الديمقراطي التابع لحزب العمال الكردستاني.
أيضاً لا يمكننا الفصل بين التطورات المتلاحقة في ليبيا وأذربيجان وشرق المتوسط وما يجري على الأرض في إدلب، إذ طالما حاول الروس ربط الملف السوري بالملفين الليبي والآذري واجراء بعض المقايضات، الأمر الذي جعل الكثيرين يعتقدون أن تركيا حصلت على بعض المكاسب في هذين الملفين لقاء هذا الانسحاب الذي لا يحقق أي فائدة للنظام من وجهة نظر عسكرية، ويحرّر الجنود الاتراك من أن يكونوا رهائن في مناطق سيطرته.
لكن الفرضية التي لا يجب إغفالها هي عدم وجود أي من الفرضيات السابقة، وبالتالي لا بد من الأخذ بالاعتبار عدم اتفاق الجانبين الروسي والتركي على أي من المقترحات، ما دفع موسكو إلى إبلاغ الأتراك بأنهم غير قادرين على حماية وتأمين خطوط الامداد لنقاط المراقبة فكان لا بدّ من سحبها.
في ضوء التصعيد العسكري من قبل الروس والنظام، وانتهاك وقف اطلاق النار بشكل مستمر، فإن ذهاب الوضع الميداني إلى المزيد من التصعيد يبدو مرجحاً، طالما أنه لا توجد هناك أي تفاهمات أو تسويات جديدة حول منطقة خفض التصعيد الرابعة، ومن الواضح أن هذا التصعيد هو رسائل بالنار للطرف التركي والجيش الوطني المتحالف معه تنذر بتحولات جديدة ستتجاوز كل الاتفاقيات والتفاهمات السابقة.
لعل استهداف الطيران الروسي لمعسكر تدريب فيلق الشام الفصيل الأكثر قرباً من تركيا وعلى حدودها، وأيضاً القصف الروسي قبل أيام على مدينة جرابلس الحدودية والواقعة في منطقة عمليات درع الفرات التابعة  للنفوذ التركي، يدل على أن الطرف الروسي من خلال سياسته المتوحشة يسعى لتثبيت وقائع على الأرض بإملاءات القوة العسكرية، وهي فرضية تعبر عن حالة استعصاء حقيقية بين الضامنين والفشل في تجاوز العقبات والخلافات الموجودة التي تراكمت الى حد التأزم والاختناق.
وإذا كان هذا التأزم والاختناق لا يعني احتمال وقوع صدام عسكري مباشر بين الروس والاتراك، فإن سحب النقاط التركية من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام يطرح سؤالاً مقلقاً للسورين عن ما بعد هذا الانسحاب، وماذا لو تغيرت الظروف السياسية والعسكرية أكثر فهل ستشمل الانسحابات التركية وقتها النقاط المتمركزة في جبل الزاوية وغيره من المناطق؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها